إشارات سماوية.. د. فتح الله عمر

الأربعاء, 9 آذار 2016 الساعة 23:14 | مواقف واراء, مختارات

إشارات سماوية.. د. فتح الله عمر

جهينة نيوز - د. فتح الله عمر

لم تعرف المدينة رجلاً أكثر نبلاً، وأعظم خلقاً من ملاك. كان اسماً على مسمّى بالفعل. منذ طفولته حفظ لسانه من الكذب والغيبة والنميمة وفحش الكلام، وحفظ قلبه من الحقد والحسد والبغض وحفظ عينيه من النظر إلى ما لا ينبغي أن يراه، وكذا فعل مع كلّ جارحة من جوارحه.

وحين اشتعلت الحرب الأهلية في بلده أعرض ونأى بجانبه، لم يشأ أن يلوّث يديه بأدرانها، لكن مع تعاقب الأحداث واستعارها شعر أنّ واجبه الأخلاقي والديني يحتّم عليه أن يقف إلى جانب الحق.

فكّر كثيراً، بحث ومحّص، سأل واستفسر، ثمّ في لحظة مباركة استطاع أن يفرّق على وجه اليقين بين الفئة المظلومة والفئة الباغية.

وإذ ذاك اعتكف ليلة كاملة يناجي ربّه ويعاهده أن ينصر الحقّ ويقاتل البغاة والمتطرّفين ما دام حيّاً.

لم يكد يفرغ من أوراده ومناجاته حتّى تلبّدت السماء بالغيوم، وهطل المطر فيّاضاً مدراراً بعد طول احتباس، ثمّ خلال لحظات أتاه خبر جيّد كان ينتظره منذ بضعة أشهر، ثمّ خبرٌ آخر عن أرباح عظيمة في البورصة لم يكن يتوقعها في أعذب أحلامه.

اطمأن قلب ملاك بتلك الإشارات البديعة، واعتبرها ترحيباً سماوياً بقراره المبارك.

ولمّا استطاع في غضون أسابيع قليلة تكوين كتيبة من المجاهدين تحت إمرته؛ اعتبر ذلك إشارة تأييد سماوية أخرى فغيره يحتاج سنة لتشكيلها.

بدأ جهاده باغتيال قادة التطرّف والبغي، لكنّه لم يستهدف أحداً قطّ قبل أن يطمئن قلبه لوجوب إعدامه، كان يقرأ أوّلاً تقارير رجاله عن المرشّح للاغتيال ومسوّغاتهم الموجبة، ثمّ رأي سماحة مفتي الكتيبة، ثم يستفتي قلبه، فإن أفتى قتل، وإلّا عفا.

ثمّ ما لبث أن اكتشف بعد بضع عمليات أنّ قلبه الطاهر النقي هو الأجدر باتّخاذ القرارات وإمضائها، فراح يعتمده مرجعاً وحيداً في سياساته وأحكامه كلّها.

ومن حسن الحظ أنّ السماء لم تتخلَّ عنه، بل راحت تنفحه بتأييدها في كلّ مرّة أقرّ قراراً، ما زاده يقيناً بأنّه ملهم، وأنّ الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه.

حتّى في الأمور التي تبدو للوهلة الأولى شائنة في أعين الناس جاءت إشارات السماء مؤيّدة له:

فحين سبى زوجة أحد أعدائه تردّد كثيراً في معاشرتها قبل استبراء رحمها من الحمل، لكنّه لم يصمد أمام جمالها فقرّر أن يستفتي قلبه، فأفتاه بما يشتهي. وحين انتهى من ذلك أتته إشارة السماء مؤازرة وغرّد بلبل تائه تغريداً رائعاً قرب نافذة غرفته.

وحين استفتى قلبه بإحراق بلدة استعصت عليه رغم الحصار أفتاه بالوجوب، فأحرقها بشيبها وشبابها وأطفالها ونسائها دون أن ترمش له عين، ولمّا انتهى الأمر هنّأته السماء وأرسلت سكينة إلى قلبه لم يشعر بمثلها من قبل.

وكذا في سرقة ميراث يتيمين، ثمّ في اغتصاب طفلة، ثمّ في عشرات الأحداث الأخرى المشابهة، وكانت السماء في كلّ مرّة تؤيّد فتاوى قلبه الصافي النبيل.. حتّى تساءل يوماً إن كان قد أصبح دون أن يشعر وليّاً من أولياء الله الصالحين عزّ نظيره في الأوّلين والآخرين.

بعد أربع سنوات قضاها على هذه الحال خطر له أن يصارح رجاله بإكرام الله له بالولاية، استفتى قلبه فزيّن له ذلك، لكنّ عقله منعه مخافة أن يكذّبه الرجال ويخلعوا بيعته. مكث ثلاثة أيام حائراً متردّداً، بين الإقدام والإحجام، ثمّ أتته نجدة السماء كعادتها؛ إذ أكّد خمسة من أتباعه في مجلس شورى المجاهدين رجعوا للتوّ من الحجّ أنّ نسمة روحانية نفحت قلوبهم هناك وألقت في روعهم أنّ صاحبنا هو وليّ هذا الزمان، وأنّ منزلته عند المولى عزّ وجلّ أصبحت تضاهي منزلة الرسل أولي العزم.

في الليلة ذاتها بعد ثلاث سنين خطر له خاطر جديد أورث قلبه اضطراباً شديداً، صحيحٌ أنّ الأمر بديع يخلب الألباب ويُندي الروح، لكنّه في الوقت ذاته خطير غير مأمون العواقب، ما جعله يتريّث في اتّخاذ قرار بشأنه.

لكن لحسن الحظّ لم تدعه السماء يتخبّط في حيرته طويلاً. قبيل مطلع الفجر من ليلة القدر حَلَمَ أنّه في السماء السابعة وأنّ الأنبياء كلّهم اجتمعوا ساجدين تحت عرشه يسبّحون بحمده..

ويستغفرونه ويستهدونه..

ويعوذون به من الشيطان الرجيم!!.


اقرأ المزيد...
أضف تعليق

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. سياحة
  10. تقارير خاصة
  11. كواليس
  12. اخبار الصحف
  13. منبر جهينة
  14. تكنولوجيا