جنود يعملون بصمت الملائكة وصبر القديسين.. المسعفون العسكريون.. تضحيات كبيرة وذكريات مؤلمة

السبت, 12 آذار 2016 الساعة 02:30 | مجتمع, تحقيقات

جنود يعملون بصمت الملائكة وصبر القديسين.. المسعفون العسكريون.. تضحيات كبيرة وذكريات مؤلمة

جهينة- علي الجندي:

إن كان السبب الرئيسي لصمود سورية أمام هذه العدوان الإرهابي الهمجي هو الجيش العربي السوري، فإن المسعفين والممرضين والأطباء العسكريين هم الجبهة الثانية في صمود سورية، فلولا عملهم وتضحياتهم لكان الكثير من الجنود استشهدوا بإصابات خفيفة، ولئن كنّا ندين لجنودنا البواسل بأننا ما زلنا على قيد الحياة بفضلهم، فإن الكثير من جنودنا يدينون من جهتهم للأطباء والمسعفين العسكريين بأنهم ما زالوا على قيد الحياة.

ألف حكاية وحكاية يرويها المسعفون العسكريون لـ"جهينة"، تؤكد أن سورية تعتز دائماً وأبداً بكوادرها الطبية وأبنائها البررة وهم يتعاضدون في الحياة كما في مواجهة لحظات الخطر والموت.

في هذا التحقيق نسلّط الضوء على مكون بشري مهم وأساسي في إدارة المعركة المفروضة على شعبنا، عماده مجموعة من الشابات والشبان السوريين الشجعان الذين يقتحمون كل يوم خطوط النار ويدخلون أماكن لا يتمنى أحد دخولها، يضحون بأنفسهم من أجل إنقاذ الأرواح، حيث التقت "جهينة" أولاً رئيس قسم الإسعاف في مشفى تشرين العسكري العميد الدكتور مفيد درويش وعدداً من المسعفين العسكريين ليشرحوا لنا طبيعة مهمتهم والصعوبات والمخاطر التي يتعرضون لها.

من خطوط الجبهة إلى المشفى

يؤكد العميد درويش ذو الخبرة الكبيرة في عمليات الإسعاف أن الآلية الوحيدة المتعارف عليها في الجيش وفي حالات الحرب الاعتيادية تتمثل بوجد الإسعاف الذاتي والمتبادل، حيث يكون العسكري محملاً بحقيبة فردية فيها ضمادات ومعقم ورباط قاطع للنزف، يقوم العسكري هنا بإسعاف نفسه أو يقوم زميله بإسعافه، وهذه تمثل المرحلة الأولى من عملية الإسعاف، ثم تأتي عملية نقل المصاب إلى أن يصل إلى الكتيبة الطبية التي تكون على مستوى الفرقة، حيث يوجد بالفرقة 5 أطباء اختصاصيين بإصابات الحرب الأكثر شيوعاً وأطباء تخدير ومسعفين.

في الكتيبة الطبية يتم تقييم حالة المصاب، فإذا كانت الإصابة سطحية قد يُعطى استراحة ضمن قطعته فترة من الزمن ليعود إلى أرض المعركة، أما في حالات الإصابة البالغة فيتم نقله إلى مشفى القاعدة كـ"حرستا، تشرين، المزة، قطنا، الصنمين"، وهذه مشافي المنطقة الجنوبية، وهنا يوجد العون الطبي الاختصاصي.

ويضيف العميد درويش: عمليات العون والإسعاف هذه تكون في حالة الحرب الاعتيادية، إلا أن طبيعة المعركة التي نخوضها اليوم، وهي أقرب إلى حرب الشوارع، تفرض تغييراً في آلية الإسعاف، فمعظم الجرحى لا يمرون بكل هذه المراحل بل يتم إسعافهم إلى أقرب مشفى. ويتابع العميد درويش: قسم كبير من الحالات التي تصل المشفى تنقل بسيارة مدنية، حيث يقوم العسكري بنقل زميله المصاب فوراً ووضعه بأول سيارة مدنية كانت أم عسكرية، وهذا ما شاهدناه في المشفى حيث وصل عسكري وزميله بسيارة تكسي عامة.

أما المسعفون فشرحوا لـ"جهينة" آلية العمل بشكل عام، حيث أكدت المسعفة رهام شريقة أنه وعند وصول المصابين إلى باب الإسعاف يوجد فريق اسمه فريق النقل الذي ينقل المريض إلى الإسعاف، ثم يقوم مسؤول الفرز مع المسعفين بتقييم حالة هؤلاء المصابين وفرزهم حسب شدة الإصابة ونقوم بتوزيعهم على الغرف المختصة، حيث توجد غرفة للعمليات والرضوض والقلبية والتصوير الشعاعي، كما توجد الساحة الطبية العامة، هنا يتم وضع المصابين ذوي الإصابة الخفيفة، وخاصة عند وصول عدد كبير من الجرحى، مشيراً إلى أن عملية النقل والفرز تكون بوضعية طبية صحيحة كي لا يسبب النقل تفاقم الإصابة وخاصة المصابين بالعمود الفقري.

من حكايات الشهداء

وفي سؤال "جهينة" ماذا تحملون من ذكريات عملكم؟، يلمح بعض المسعفين إلى الأيام القاسية التي مرت عليهم وسجلت فيها ذاكرتهم لحظات مؤلمة وعصيبة، بل وبحسب "الناقل" المجند محمد سواس هي ليست ذكريات بل كوابيس بعضها يراها في أحلامه.

يقول المسعف محمد ونوس: إن أكثر الإصابات التي أوجعته والشهداء الذين آلموه هي إصابات وشهداء أحداث ضاحية حرستا مؤخراً، مضيفاً: إن إصابات الضاحية كانت هي الأكثر إيلاماً لي جراء استهداف الإرهابيين لها بعدد كبير من قذائف الهاون، وخاصة الجزيرة ب 4 في الضاحية، وإحدى الإصابات التي مازلت أبكي كلما تذكرتها هي لرجل عجوز طاعن في السن ومصاب بشظايا قذيفة في كامل جسده لكنه على قيد الحياة، وكان ممسكاً بـ"ربطات الخبز" في يديه وبعد دقائق من إدخاله استشهد.

المسعفة رهام شريقة تؤكد أنه منذ بداية الأحداث لم تخزن في ذاكرتها سوى الذكريات المؤلمة، مضيفة: كل مريض يصل إلينا هو بحدّ ذاته قصة مؤلمة، مجرد وجود دم وإصابات وأشلاء هو حزن يبقى في ذاكرتي، وتشير إلى أن الكثير من المصابين قبل توقف نبضهم يوصوني بأولادهم ويقولون لي أن تهتموا بهم وبزوجتي، وكثير من الأحيان بعد إسعافي لمريض واستشهاده أبكي طوال النهار.

الناقل المجند محمد سواس يقول: إن هذه ليس ذكريات بل كوابيس لا أزال أراها في أحلامي وكل الإصابات التي رأيتها لا يمكن أن أنساها أبداً، أما أصعب الحالات فهي عند وصول مصاب ينظر إليك كيف تقوم بنقله وقدميه مبتورين بقذيفة أو انفجار، وهو لا يشعر بألم.

المسعف وسيم عيدو رئيس الواردية المسائية للمسعفين يؤكد أن أكثر الذكريات المؤلمة هي لمصابي القذائف، كون المصاب يكون متعرضاً لضرر كبير في جسده كقطع في يديه أو قدميه، مشيراً إلى أن أكثر قصة كانت مؤلمة بالنسبة له هي طفل كانت معظم الرئة وقسم من أمعائه خارجة من جسده نتيجة قذيفة هاون.

تضحيات حدّ الشهادة

ربما إن كان يُطلق على الممرضين والمسعفين المدنيين ملائكة الرحمة، فالأجدى أن يُسمّى الممرضون والمسعفون العسكريون أبطال الرحمة، فهم وإن كانوا على مستوى عالٍ من الحنان والإنسانية بالتعامل مع الجريح، إلا أنهم أيضاً على مستوى عالٍ من التضحية والشجاعة في إنقاذ الجريح.

العميد مفيد درويش يتحدث عما قدمه مسعفو مشفى تشرين العسكري من تضحيات، فيقول: إن مشفى تشرين حين تعرض لقطع الطرق المؤدية إليه من قبل الإرهابيين عن طريق القنص إضافة إلى استهداف المشفى بعدد كبيرة من قذائف الهاون، استمر الكادر الطبي والإسعافي في عمله ليلاً ونهاراً، وهنا يروي لنا عن يوم أسود في تاريخ المشفى حيث استشهد مسعف وعقيد طبيب، إضافة إلى إصابة أكثر من 27 مسعفاً وناقلاً.

ويشير العميد درويش أيضاً إلى قيام المسعفين بنقل الجرحى رغم كثافة قذائف الهاون والقنص الذي أصبح يستهدف بعض المناطق في المشفى، ما أسفر عن إصابة 7 مسعفين بينهم فتاة، كما استشهد عنصران من عناصر نقل الجرحى وهما المجند هشام النحاس والمجند سعود رمضان الأمر الذي أثّر فيّ كثيراً، حيث سقطت القذيفة وهما يقومان بإنقاذ الجرحى خلفهما وامتلأ جسمهما بالشظايا ولم نستطع للأسف نقلهما أكثر من 5 أمتار حتى استشهدا.

وإن كان هذا ما قدمه المسعفون من تضحيات، فإنهم تحدثوا لنا عن الجهد والضغط العملي الذي كان يجعلهم لا يرون أطفالهم وزوجاتهم لأكثر من شهر.

المسعف علي درداري يشرح لنا عن الاستنفار في أحداث الضاحية الأخيرة بالقول: كانت هناك إصابات كثيرة وخصوصاً بين المدنيين، حيث وصلنا في أول ثلاثة أيام أكثر من 300 مصاب، ووضعنا خطة معينة لاستقبال الجرحى كما نظمنا دوام المسعفين واستنفرت جميع العناصر.

ويؤكد درداري أنه برغم الضغط الذي تعرضوا له فإن التجهيزات الطبية والبنى التحتية الطبية كانت كافية، حيث يوجد 6 قاعات طبية مجهزة، مشيراً إلى أنه حتى في أخطر الإصابات وهو توقف القلب كان يتواجد كوادر وتجهيزات للقيام بعملية الإنعاش لـ 6 أو 7 عمليات إنعاش قلبي ورئوي في وقت واحد، موضحاً أن هذا لا نجده في كثير من المشافي.

المسعف محمد ونوس روى لنا حالات الاستنفار التي مرت بهم في فترة أحداث برزة والقابون، ويتذكر أن المسعفين لم يروا باب المشفى لشدة الاستنفار لمدة 20 يوماً وأن كل المسعفين كانوا ينامون في المشفى.

من جهته العميد الدكتور مفيد درويش شرح من خلال إحصاء تقريبي الضغط الكبير الذي يتعرض له الطاقم الطبي، حيث إنه في سنة 2012 تعرض المشفى لضغط كبير واستقبل أكثر من 13 ألف مصاب مدني وعسكري، وكان معظم الكادر الطبي لا ينام ولا يغادر المشفى، وفترات الاستراحة قليلة جداً.

وعن طبيعة الجرحى الذين يتم نقلهم إلى المشفى، وهل العلاج يقتصر فقط على العسكريين، وكيف يتم التعامل مع إرهابي جريح، أكد لنا العميد درويش أن المسعفين والكادر الطبي هم على مستوى عالٍ من الإنسانية حيث تتم معالجة المصاب أياً كان سواء أكان عسكري أم مدنياً أو حتى مسلحاً، وبحسب العميد درويش فإنه عندما يحدث اشتباك في منطقة ما يتم نقل مصابين مجهولي الهوية ويقوم الأطباء والمسعفون بتقديم الإسعافات لهم وعلاجهم بغض النظر عن هويتهم، ويروي أنه في إحدى المرات وبعد علاج شخص، قال لنا المسؤول الأمني للمشفى إن هذا الشخص كان من المسلحين، مشيراً إلى أن الجهات المختصة تأتي بمسلحين محكومين إلى المشفى يقوم الكادر الطبي بتقديم العلاج لهم ثم يتابعون أحكامهم، ويؤكد أنهم يقدمون العون الطبي لأي شخص كان، فهمتهم إنسانية، أما بعد ذلك فمهمة الدولة والقانون وهم لا يتدخلون في ذلك.

مجهولون ومنسيون؟!

معظم المسعفين الذين التقيناهم أكدوا أنهم ليسوا مجهولين فقط بل هم منسيون أيضاً، ويشيرون إلى أنهم في كثير من الأحيان تأتي جمعية ما أو مؤسسة أو رجل أعمال يكرمون المرضى ثم يذهبون بدون أي كلمة لهم تقدّر جهودهم، حتى وسائل الإعلام تبقى طول اليوم تصور تقريراً ما عن المرضى أو حالة المرضى وربما قد لا يظهرون حتى في المشاهد الخلفية.

المسعف محمد ونوس يقول معاتباً: إن عملنا فيه من التعب النفسي أكثر من الجسدي، مضيفاً: عند رؤيتك لطفل شهيد أو حالة إنسانية صعبة قد تبقى اليوم كله تبكي، وبالتالي نحن نحتاج إلى دعم نفسي من الآخرين، دعم من المجتمع ودعم من الإعلام ليرفع من معنوياتنا ويؤكد لنا بأن ما نفعله هو في سبيل الوطن وهناك من يقدّر هذا العمل.

المسعفة رهام شريقة تؤكد أنها تتمنى الاهتمام بالمسعفين وتكريمهم وخاصة معنوياً، وتقول: نحن نفخر ونعتز بعملنا، قد نكون نقوم بهذه المهمة لآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وكل الشعب السوري هم أهلي حين أقدم لهم المساعدة، وأعتقد أن التكريم يُظهر لنا فخر الآخرين بنا وبالعمل الذي نقوم به.

المسعف صفا تويتي طالب بأن يتم تكريمهم مع الجيش فهم -حسب تعبيره- أيضاً جنود يتعرضون في الكثير من الأحيان لنفس المخاطر التي يتعرض لها الجندي المقاتل، ويضيف: نعم نطالب بتكريمنا كأي جندي يقوم بالدفاع عن وطنه، فنحن نقوم بواجب إنساني ندافع فيه عن وطننا بطريقة مختلفة.

حالات غير موجودة في الأدب الطبي

وعن الإصابات المختلفة التي يعالجها الأطباء يؤكد العميد الدكتور مفيد درويش أن بعض الإصابات التي تصل ويقوم الأطباء بمعالجتها لم تذكر بالأدب الطبي مثل الشظايا المستقرة في القلب، وهي غير مذكورة بالأدب الطبي حتى في حروب أفغانستان والصومال والعراق لم تذكر مثل هذه الإصابات.

ويضيف العميد درويش: إن الأطباء قاموا باستقبال عشرات المصابين بشظايا مستقرة في القلب، وأجروا عمليات جراحية معقدة لهم وشفي عدد كبير منهم، أيضاً تصل المشفى حالات إصابة بشظايا في الدماغ وقد تمّت معالجتها، وحالات الإصابات "المجموعية" حيث يكون المريض مصاباً بشظايا في كل جسمه، وهذا يحتاج طواقم طبية جراحية متعددة وقد يستمر العلاج أكثر من 6 أشهر.

طلبات موجعة ومؤلمة

ويتحدث لنا المسعفون والأطباء أن أصعب ما يمرون به هو أحاديث المصابين عند وصولهم إلى باب الإسعاف، فكثير من المسعفين والمسعفات أجهش بالبكاء وهم يروون بعض القصص التي دارت بينهم وبين المصابين.

المسعف صفا تويتي يقول: إن شرطياً مصاباً على أوتوستراد حرستا دار بيني وبينه حديث شخصي لم أحدث أحداً به، فقد طلب مني أن أوصل هذا الحديث لوالدته فقط، ومن ثم استشهد.. تأثرت كثيراً بهذا الموقف وأذكر أني بكيت أمام الجميع.

المسعفة همسة بدر تقول: أكثر الحالات التي كانت تؤلمني هي مرضى توقف القلب أو مرضى البتر، وأكثر الطلبات من المصابين التي كانت تحزنني هي طلب المصاب أن أساعده من أجل أولاده أو طلب الاتصال بأهله، في الحقيقة كثيرون طلبوا مني الاتصال بأهلهم، لكن كنت أطلب من زميل آخر لي الاتصال، فأنا لا أتحمل نقل هكذا إخبار وخاصة للأهل.

المسعف محمد ونوس يقول: أن تبتسم لشخص وهو بين الحياة والموت أمر صعب جداً، فكثير من المصابين طلبوا مني أن أسلّم له على أولاده وعلى زوجته، ونحن بدورنا نبتسم له ونقول إن إصابته طفيفة، رغم إدراكنا شدة إصابته ونحيي الأمل فيه ونقوم بكامل واجبنا حتى لو كانت الإصابة شديدة.

حالة إسعاف مستعجلة

أثناء وجود "جهينة" في المشفى وصلت إلى باب الإسعاف سيارة تكسي عامة تنقل بداخلها عسكريين، أحدهم مصاب، تم وضعه على النقالة وإدخاله إلى غرفة الإسعاف، وعند سؤال زميله العسكري الذي قام بإسعافه عن اسمه وعن المكان الذي تم إسعافه منه رفض الإجابة، إلا أنه تحدث فيما بعد عن تعرضهم لاشتباك مع الإرهابيين، ولم يفصح عن المنطقة، فاضطروا للقفز من بناء إلى بناء آخر غير أن زميله العسكري تعرض لالتواء أو كسر في فخذه فلم يستطع المشي وقام بنقله إلى أقرب منطقة آمنة قبل إسعافه إلى المشفى.


أخبار ذات صلة


اقرأ المزيد...
أضف تعليق

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. سياحة
  10. تقارير خاصة
  11. كواليس
  12. اخبار الصحف
  13. منبر جهينة
  14. تكنولوجيا