فيلم "كفى""Enough" لمؤسسة جهينة الاعلامية ... تأريخٌ صادقٌ لسنوات دمشق الأخيرة

السبت, 2 حزيران 2018 الساعة 00:37 | تقارير خاصة, خاص جهينة نيوز

 فيلم

جهينة نيوز - هانيبال خليل

قبل قرابة ثلاثة قرون، وضع المؤرخ الشعبي الدمشقي ابن حي الميدان "شهاب الدين أحمد بن بدير، المعروف بـ"البديري الحلاق" كتابه الذي يحمل اسم "حوادث دمشق اليومية" الذي أرّخ لفترة اضطرابات في دمشق إبان الاحتلال العثماني لها، وقد اتصف هذا الكتاب بالصدق لا سيما وأنه لم يوضع بفرمانٍ من حاكم أو لتحقيق منفعة شخصية، رغم أن بلاط آل العظم –حكام دمشق آنذاك- كان يعج بأصحاب المصالح من تجّار السياسة والحرب...

وقد لاقى كتاب "البديري الحلاق" نجاحاً واسعاً بعد العثور على أجزائه وجمعه وتحقيقه، وبات أحد أهم المصادر عن تاريخ دمشق لما قدّمه من "بانورامات" متنوعة عن أحوال أهل الشام...

واليوم تتجاوز كتابة التاريخ أساليب القدماء في سرد لحظات الحياة بالتفصيل، بل إن الشعور الحقيقي بالحدث واختزال الصور في وجوه ومواقف معبّرة ونغمات موسيقية مؤثرة متفاعلة مع ذلك الحدث، يقدّم في عصر الصورة والصوت بدقائق ما يمكن أن يقدّمه كتاب تاريخ خلال سنوات، فما نُقل من أخبارٍ بالتفصيل عن معاناة أهل دمشق في أحد عصورها، لخّصت ما يشبهه فكرة فيلم "كفى" في عصر دمشق الحالي، فكانت تعابير الوجوه والنغمات والمواقف الانسانية ملخصاً لما دار في بيوت الدمشقيين خلال سبع سنوات مضت من أحاديث عن ويلات الاعتداءات الإرهابية عليهم، كما كانت اختزالاً منطقياً لما يمكن أن يجمعه كتاب مؤرخ –كالبديري الحلاق- عن المعاناة وردود الفعل والروايات والتصرفات الناجمة عن وقوع كوارث بأهل المدينة التي إن فُجعت بالكثير من شيبها وشبابها ونسائها وأطفالها من ضحايا قذائف الرهاب، إلا أنها كانت تقول إثر كل فاجعة هأنذا!...وهذا ما أظهره فيلم مؤسسة جهينة الاعلامية.

"كفى" عصريٌّ توثيقيٌّ يؤرّخ السنوات باللحظات

أطلقت مؤسسة جهينة الإعلامية يوم الثلاثاء الواقع في التاسع والعشرين من شهر أيار، وبالتعاون مع شركة "فونيكس"، فيلماً قصيراً من إنتاجها حمل اسم "Enoughكفى"، وهو فيلم من تأليف السيدة فاديا جبريل وإخراج فادي سليم، وقد وضع الموسيقا التصويرية الخاصة به الفنان أحمد اسكندراني، بينما أدّت الفنانة سارة درويش بعض مقاطعه الغنائية، وقام بالأدوار الدرامية المتميزة فيه بعض نجوم الشاشة السورية أمثال رغداء هاشم، جمال العلي، فاتن شاهين، دانا جبر، نادين قدور، وسيم الرحبي، علي سكر، نرمين شوقي...

وقد تم افتتاح الفيلم في دار الأسد للثقافة والفنون، بمشاركة عدد من الشخصيات والوجوه الفنية والثقافية والاجتماعية البارزة، وفي مقدمتهم الفنان دريد لحام، رنا شميس، مصطفى الخاني، محمد الأحمد.

ويأتي إطلاق الفيلم بعد أيام فقط من سقوط آخر قذائف الارهاب على مدينة دمشق، وبعد تحريرها الكامل وضواحيها من رجس الارهاب والارهابيين، وذلك ضمن سياق فني إبداعي توثيقي، وانطلاقاً من وظيفة الفن والاعلام ودورهما في رصد لحظات الموت القاسية والولادة الجديدة المتكررة التي شهدها السوريون جميعاً في شتّى مراحل الأزمة التي عانت منها البلاد في السنوات السبع الماضية، ولتدخل السنة الثامنة من الازمة وكأنها اللهب الأخير الذي أخمده أبناء الجيش المخلصون وأطفأ جذوته الحاقدة صمود الشعب الأسطوري، وقد أبت دمشق إلا أن تكون أكبر عناوين النصر السوري، فخلعت سواد السنوات السبع الماضية واحتفلت في سنة صمودها الثامنة بالخلاص الفعلي من الارهاب وساسته وأدواته، بينما دوّن فيلم "كفى" أشدَّ لحظات المخاض السوري الدمشقي تأثيراً في الانسانية وقدّم رسالةً مفادها أن القذائف التي فرّقت أشلاء أجساد السوريين إنما جمعت بين قلوبهم التي ما انفكت تضخ معاني المحبة للعالم أجمع.

خوف على دمشق وليس خوفاً منها

بالجمل الموسيقية المعبرة والصور الدمشقية الحية المدروسة والمختارة بعناية نطق فيلم "كفى" الصامت بلهجات السوريين كافة، وأرّخ لسنوات دمشق الأخيرة من عمر الارهاب الذي عانت منه، فاختلطت مشاهد سقوط القذائف على سكانها الآمنين –والمصحوبة بصفيرها المخيف- بوصف المؤرخين لقذائف النار الهمجية التي أطلقها التتار والمغول قبل قرون على نفس السكان ونفس الأماكن التي يقطنونها...ولكن ها هم أهل دمشق وها هي أماكنهم، باقية وباقون فيها رغم قسوة التاريخ ورغم من حاول إعادة احتلاله.

لم يقل فيلم "كفى" كلمة واحدة في السياسة، بل نطق صمتاً رهيباً تخللت رهبته جمل موسيقية مبدعة عبّرت باختصار شديد عن نبض دمشق، وقد رافقت هذا النبض حركة الكاميرا الذكية وتعابير الممثلين المحترفين الذين كان بإمكان المنتج والمخرج الاستعاضة عنهم بمبتدئين في المجال، إلا أنها إحدى الرسائل التي بثّها القائمون على الفيلم وهي أن الحقيقة والشعور الحقيقي اللذيْن لا مقابل لهما عندهم لا بد وأن يترجمهما المحترفون، ولا بد أن يصلا بهذه الصورة المتقنة إلى المتلقين الذين عانوا في السنوات الماضية من كذب الاعلام المغرض وسوء أداء بعض الاعلام السياسي وابتذال بعض أعمال الدراما وموضة "اليوتيوب"، فعبّرت صور فيلم "كفى" ونغماته عن حقيقة الارهاب الموجّه ضد دمشق كعاصمةٍ تجمع كل السوريين، وأظهر معدّو الفيلم بوضوح حقيقة أن الخوف الذي سببته قذائف الارهاب إنما هو خوفٌ على دمشق وليس خوفاً منها في محنتها التاريخية.

دمشق تاريخ متجدد وماضٍ يؤسس للمستقبل

لقد غادر الارهاب مرغماً وبقيت دمشق لتستمر كما دأبت على ذلك عبر العصور، أما فيلم "كفى" فقال كلمته لدمشق وعن دمشق...قال "كفى" للإرهاب وقذائفه، و"كفى" تزويراً للحقائق ومتاجرةً بما يناقضها...قال "كفى" لابتذال الصور والمواقف وتسييس الدماء...

وختاماً، فلعلّ ما ذكره المؤرخ "ابن تغري بردي" قبل ستة قرون عن صمود دمشق وقلعتها واستبسال رجالها في قتال جيش تيمورلنك سنة 1401م، يعد أحد الأمثلة على عظمة المدافعين عنها، إذْ صمد قرابة أربعين مقاتلاً دفاعاً عن دمشق وقلعتها مدة تسعة وعشرين يوماً في وجه جيش تيمورلنك ومدافعه المنصوبة قبالة القلعة والتي لا حصر لها... وبعد استشهادهم يروي المؤرخ ابن تغري قائلاً: "...هذا وليس بالقلعة من المقاتلة إلا نفرٌ قليلٌ دون الأربعين نفراً، لا شُلَّت يداهم، هؤلاء هم الرجال الشجعان رحمهم الله."...فما بالنا اليوم بصمود أهل دمشق والمدافعين عنها سبع سنوات في وجه أعتى هجمة بعد ستة قرون من هجمة مماثلة عرفها تاريخ المدينة؟!...هؤلاء أيضاً رجال شجعان، رحم الله الشهداء منهم وأطال في أعمار الأحياء الصامدين إلى هذا اليوم دفاعاً عن العلم الوطني، ولعلها اللقطة الأخيرة والمؤثرة من فيلم "كفى".


أخبار ذات صلة


اقرأ المزيد...
أضف تعليق



ولأخذ العلم هذه المشاركات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع
  1. 1 عدنان احسان- امريكا
    4/6/2018
    18:03
    شيلوا هالصوره .. الفاشله .. التي لا تدفعنا للتعاطف معها
    هذه الصوره لا تعبر عن الماساه بل ولا تصلح للتعاطف ... تصلح لاخافه الاطفال . .. وفاشله حتي بالمقاييس الفنيه .. وتظهر بانها مصطنعه ..

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا