زكريا عباس يكسر طوق عزلته لفقدانه البصر بطفولته يجتاز 3 شهادات بثلاث سنوات

الإثنين, 18 تشرين الثاني 2019 الساعة 14:39 | شؤون محلية, أخبار محلية

 زكريا عباس يكسر طوق عزلته لفقدانه البصر بطفولته  يجتاز 3 شهادات بثلاث سنوات

جهينة نيوز- عاطف عفيف:

كل الصعوبات والعقبات تخر خاشعة أمام جبروت الإرادة والتصميم، لا بل تصبح الصعوبات والعوائق دافعاً لمزيد من العزيمة والإصرار لاجتياز المستحيل وتحقيق الحلم ،فالشاب زكريا عباس من أبناء مدينة جبلة لم يوقفه فقدان بصره في مرحلة مبكرة من طفولته، من تحقيق حلمه بإكمال مسيرة الدراسة، فبعد عزلة دامت 11عاماً استطاع الحصول على الشهادات الابتدائية والإعدادية والثانوية بثلاث سنوات دخل قسم علم الاجتماع بجامعة تشرين واجتازه بأعلى معدل حتى الآن وحصل مؤخراً على الماجستير ويتابع مسيرته وتصميمه لنيل درجة الدكتوراه.

غصة

من خلال هذه السطور البسيطة نعرض تجربة إنسانية غنية وعلى قدر كبير من الأهمية ، تؤكد بأن إرادة الإنسان لا تعرف المستحيل ، بدأت قصة زكريا منذ أن كان في الثالثة من عمره، فقد حينها النور من عينه اليسرى نتيجة إصابته بالمياه السوداء، وبعد سنوات وفي الصف الثاني الابتدائي تعرض لصدمة قوية على عينه اليمنى من أحد زملائه بينما كانا يلعبان في باحة المدرسة، بدأ على إثرها نظره يضعف ويخف تدريجياً، فعل الأهل أقصى ما يستطيعون لمعالجة ولدهم وإنقاذ نظره لكن القدر كان أقوى.

الوالد غياث عباس والذي كان يعمل كعامل موياوم في مجال البناء قال: كنت مستعداً لبيع كل ما أملك حتى ثيابي، وفعل المستحيل لمعالجة ولدي، حاولنا بكافة الطرق ، وطرقنا أبواب الأطباء وأجريت له العديد من العمليات في مشافي اللاذقية ودمشق، ولكن دون جدوى ، ولوكان هناك أمل ولو 1% في أي مكان لسعيت وسافرت من أجله، لكن القدر بالمرصاد وكان أقوى من الجميع، وذهب بصيص الأمل بعد فقدانه الرؤيا بشكل كامل في عينه اليمنى نتيجة انفصال كامل للشبكية.

فكانت النتيجة أن ودع زكريا مقاعد الدراسة في مرحلة مبكرة، في الفصل الأول من الصف الثاني، ما ترك غصة وحرقة في قلبه ،ليصاب بعدها بحالة من الإحباط والتشاؤم نتيجة الظلام واللون الأسود الذي حل

بكل تفاصيل حياته، واستحال على طفل بهذا العمر مليء بالطاقة والحيوية والنشاط التكييف مع الحالة الجديدة والواقع المظلم، ما أدى لإصابته بحالة نفسية صعبة أدخلته في عزلة قاتلة انقطع خلالها التواصل مع الناس والعالم الخارجي لمدة أكثر من أحد عشر عاماً.

عزلة

حاول الأهل وكل المقربين كسر طوق العزلة وإقناع زكريا بالخروج من القوقعة والتشاؤم والإحباط التي زرع نفسه بها لكن كافة الجهود باءت بالفشل، إلا أن زوجة عمه والتي كانت تعمل مدرسة في إحدى مدارس حمص استطاعت بحنكتها وأسلوبها المتمكن في الحوار والنقاش من إقناع زكريا بالخروج من القوقعة التي بناها حول نفسه.

وكان اقتراحها بالعودة الى الدراسة بادئ الأمر ضرب من الخيال بسبب وضعه كمكفوف” -يقول الاب- “فكيف يعود بعد أن ترك المدرسة في السابعة من عمره، لكنه لاحقاً اقتنع بالفكرة خاصة وأنه افتقد للحياة المدرسية مبكراً وكانت مقاعد الدراسة تداعب خياله و يحلم دوماً بالعودة إليها.

ولخوض غمار الدراسة من جديد كان لا بد من الحصول على شهادة محو الأمية، وعلم زكريا أنه بالإمكان اعتبار شهادة السادس الابتدائي بديلاً، في عام 2005بدأ التحضير بمساعدة الأهل والمقربين والأصدقاء الذين كانوا يقرأون له الدروس ودون إتباع أي دورات خصوصية، فالوضع المادي للأهل لم يكن يسمح بأي مصاريف زائدة، تقدم زكريا للامتحان وبحضور لجنة ومندوبة من وزارة التربية، وكانت المفاجئة نجاحه بالامتحان وحصوله على معدل 83%،وكان نجاح هذه الخطوة بمثابة الشمعة التي أنارت بداية الطريق لتحقيق الحلم، وأعادت ثقة زكريا بنفسه وأنه قادر أن يفعل ما يريد، وهذا ما جعله يرمي بكل ثقله لتحقيق المرحلة الثانية وهي التحضير للشهادة الإعدادية، واستطاع بمساعدة الأهل والمقربين والأصدقاء النجاح والحصول على 257 علامة، وكانت الفرحة لا توصف للجميع، وهذه الخطوة كانت بمثابة جواز السفر للمرحلة القادمة وهي البكالوريا، اشترى له أحد الأصدقاء نسخة لكتب الشهادة الثانوية – الفرع الأدبي، وراح الأهل والأصدقاء يقرأون له المواد كالعادة ويقوم بتسجيلها على أشرطة كاسيت.

يقول زكريا بهذه المرحلة تحولت إلى إستاذ وطالب كنت أشرح لنفسي ما أسمعه من التسجيل ، وتحولت آلة التسجيل مرافقي الخاص بشكل دائم بدلاً من الكتاب، وفي عام 2007-2008 نجح في البكالوريا وحصل على 190

علامة، دخل المفاضلة واختار فرع علم الاجتماع ، وأبدى إعجابه الكبير بهذا الفرع كونه يدرس ويحلل ظواهر المجتمع وأمراضه، وساعدته مواد علم النفس في حياته العملية، علمته كيف يتقبل ويتفهم إعاقته ويتجاوزها.

الفضل كبير

بالطبع كان للأم رغدة أسعد الفضل الكبير فيما وصل إليه زكريا، والتي رافقته لحظة بلحظة في الكثير من الخطوات ، وتحملت الكثير من الصعوبات والمشاكل التي واجهته، كانت هي المحرك والدافع لنجاح زكريا في بداية الطريق وكانت في كل مرة ينجح في أي اختبار ، تشعر وكأنها هي التي اجتازت الامتحان.

وبالتأكيد الكثيرون ممن سيقرؤون هذه السطور سيتساءلون كيف كان يتنقل ويذهب إلى الجامعة..؟ وبالفعل كانت مسألة التنقل والوصول إلى الجامعة من أهم المشاكل ،ففي المراحل ما قبل الجامعة كانت الأم هي المرافق الخاص له في كل تحركاته، لكن بعد الدخول إلى الجامعة بات الأمر أكثر تعقيداً، لأن الحضور في الجامعة كان شبه يومي، ولم تكن الام قادرة على المتابعة في مرافقته، فقام بالمهمة أحد الأصدقاء وابن عمه لفترة قصيرة، ومن ثم اضطر للذهاب لوحده في السرافيس، وعند مدخل الجامعة يكون أحد الزملاء بانتظاره، وفي طريق العودة يساعده زميله في الصعود إلى سرفيس جبلة، ويكون أمه أو أحد أخوته بانتظاره على الموقف، وبالطبع الجوال كان له دور كبير في تسهيل عملية التواصل مع زميله والأهل ، ولقد أتقن استخدام الجوال بطريقته الخاصة .

مسيرة التحدي

استطاع من خلال إرادته الصلبة والفولاذية وتصميمه الثابت أن يتفوق على زملائه في القسم والحصول على درجة 82.22 في عام 2012، وتعد هذه العلامة أعلى معدل في القسم لحد الآن.

يقول كان هناك معاناة كبيرة في تعييني كمعيد في قسم علم الاجتماع لأنه كان هناك معارضين لتعييني من بعض الأشخاص في وزارة التعليم العالي،

بسبب وضعي الصحي – حسب ظنهم- لا يسمح أن أكون معيداً، بينما رئيس الجامعة ونائبه كان موقفهما إيجابياً وكذلك وزير التعليم السابق عاطف النداف، وبالنهاية تعينت بموجب مرسوم من السيد الرئيس بشار الأسد.

تابع زكريا مسيرة التحدي لتحقيق الحلم في إكمال الدراسة والتسجيل على الماجستير كان هناك بعض المعاناة والمنغصات والأمور الروتينية التي ضيعت عليه ما يقارب السنتين، بالنهاية تم القبول على إيفاد داخلي لإكمال

الماجستير، واختار عنوان للبحث جريء جداً وهو "الموقف الأخلاقي للشباب الجامعي من العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج في ضوء التغيير القيمي" وهي دراسة استطلاعية على عينة من طلبة الدراسات العليا في كلية الآداب بجامعة تشرين، ويقول: إن ما دعاني لاختيار هذا الموضوع هو جدية البحث والرغبة في خدمة المجتمع من خلال تسليط الضوء على موضوع أصبح فعلاً قضية اجتماعية حساسة جداً أخلاقياً، تترك أثرها السلبي على منظومة قيمية كاملة.

صعوبات

بالتأكيد لاقى زكريا الكثير من الصعوبات والمعاناة التي اعترضت طريقه خلال تحضيره للماجستير والتحضير لرسالة الدفاع، لكنه استطاع تذليها والحصول على درجة 77 علامة في الدفاع الذي جرى منذ أيام في قاعة المؤتمرات في كلية الآداب بجامعة تشرين ،وكما يقول زكريا : هذا هدف مرحلي فرحتي بالطبع لا توصف ، ويمكن القول بأن جزء من الحلم تحقق، لا تخلو مسيرتي من صعوبات كثيرة أحبطتني لفترة وأدخلتني بحالة نفسية سيئة، لكن الآن وبعد حصولي على الماجستير أشعر أن لدي طاقة كبيرة لإكمال الخطوة التالية من الحلم والحصول على درجة الدكتوراه.

ويتابع استفدت من كل من كان حولي، وتعلمت الكثير من الذين اعترضوا طريقي، علموني بأن الطريق لن تكون ممهدة أمامي دائماً، بالطبع سببوا لي بعض الإحباط ، لكن إذا كان هناك أساس من الداخل ستعود وتقف لتكمل الطريق والهدف الذي وضعته نصب عينيك، إن أكثر من قدم لي الدعم في هذه المرحلة الأخيرة طبعاً بالإضافة لأهلي، هي زوجتي وولدي هادي وأحد الأصدقاء المخلصين.

هدف

صفاء رنجوس زوجة زكريا تقول : بأن زكريا يستحق الأفضل دائماً ،منذ البداية وصلنا إلى قناعة بأننا لم نخلق لنأكل فقط، هو لديه هدف وأنا لدي هدف دخلنا قسم علم الاجتماع سوية وقررنا أن نكمل مسيرة الحياة والعلم سوية فأنا أتابع للحصول على الماجستير والدكتوراه أيضاً، ساعدته كأي زوجة تساعد زوجها ولم أحس أني عملت شيئاً زائداً.

وتتابع: الذي جعلني أربط مصيري بمصير زكريا لأنني أحسست أنه إنسان غير عادي، الكثيرون نصحوني وأكدوا بأنه لا يوجد أفق لعلاقتنا، لكن ما حصل هو العكس أصبح لدي إصرار أكبر على المتابعة، أيضاً الأهل اعترضوا بالبداية لكن بعد أن تعرفوا عليه وجلسوا معه تأكدوا من صحة موقفي وقراري، وعلى العكس قدموا لي كل الدعم .

لقد كان في كل يوم يعيشه زكريا قصة والكثير من الأحداث والتفاصيل والتي تستأهل أن تروى لأن فيها الكثير من العبر والدروس، وتحتاج مئات الصفحات لوصفها والتعبير عنها، لكن اخترنا هذه الكلمات لأن المقال لا يتحمل أكثر من ذلك .

فالمرء عندما يقرر فعل شيء فلا بد أن القدر سيستجيب.!!!!


أخبار ذات صلة


أضف تعليق



ولأخذ العلم هذه المشاركات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع
  1. 1 تيم
    18/11/2019
    14:53
    زكريا عباس أحسن قدوة للشباب السوري
    الله الله الله عليك يا زكريا عباس أنت فخر للشباب المبصرين قبل المكفوفين بإثباتك أن الإرادة الفولاذية تقهر حتى المستحيل ما أحوج سوريا في هذا الوقت الصعب و الظروف القاهرة التي يمر بها الشعب ككل إلى قدوة نبيلة فولاذية تثبت أن لا يأس مع الحياة الله يوفقك و يحميك مع زوجتك الصالحة و تكونا منارات تضئ دروب اليائسين في هذا الوطن المنكوب الصابر الصامد

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا