أضواء على الحدث
زوايا
خاص جهينة نيوز
مختارات
كتبت رئيسة التحرير
عملية الياسمينة الزرقاء
حوارات
تغطيات
أسرار وخفايا تنظيم جبهة النصرة

جهينة نيوز- بقلم نارام سرجون:
ينهمك حدادو "الربيع العربي" هذه الأيام بدق حديد اللغة المحمّى ضربات متوالية لتصبح الكلمات ذات منحنيات جديدة في العقل والوعي..
المفردات والمصطلحات تدخل الأفران اللغوية اللاهبة ثم تهوي عليها المطارق بعنف لتتغير مواصفاتها وأشكالها واستعمالاتها.. الحرب النفسية هي في الحقيقة فن تدوير الكلمات والمصطلحات لتصبح مفاتيح للأقفال القوية.. حيث مخازن الفطرة والعقل النظيف والخشب العتيق والتراث الشعبي.. وهذه المخازن هي التي يستهدفها الربيع العربي!!.
اللغة العربية تتعرض هذه الأيام للتعذيب.. والمفردات مصابة بالهلع لأنها تفقد ذاكرتها وعذريتها من شدة الضرب على رؤوسها.. وتتعرض أناملها للكسر تحت المطارق الثورية.. وتقصّ ضفائرها الطويلة لتناسب قيم الحرية والديمقراطية القطرية..
ولكن لأنني أقدّس معاني الكلمات العربية، فإنني أرشها بالبخور كل يوم.. وأغسل لها بالصابون المعطر وجهها الذي اتسخ بعد كل رحلة عذاب على شفاه مذيعات "الجزيرة" و"العربية" حيث الطين والمستنقعات.. كما أنني أحمّمها كل مساء بعد نشرات الأخبار بماء الورد والآس.. وبعد كل طواف على مقالات كتّاب الناتو الكثيرة فإنني أحمل كل الكلمات العربية الحزينة التي اقتيدت قسراً للدفاع عن الناتو إلى فسحة تحت الشمس وإلى استحمام في برك العطور لما أصابها من نتانة وقذارة واكتئاب.. لأن لغة الصحراء لم تخلق لتذل الصحراء ولتمسح نعال الجنود الغزاة.. ولم تخلق لتتفرج على مسرحية (الفصل السابع)!!.
كم أشفق على اللغة العربية هذه الأيام.. وكم أحسّ أنني محتاج لضمها إلى صدري بحنان بعد هذه القسوة والعنف والكذب فلم يبقَ في اللغة شيء لم يتغير معناه إلا حروف الجر وحرف الواو والعطف وحيثما!!.. ومع هذا فإن الكلمة التي أتعاطف معها أكثر من غيرها وأتعاطف معها بكل جوارحي وأراها ملوية الذراع ومعلقة في الهواء تتأرجح على أشجار الربيع العربي هي كلمة (انشقاق).
لم تنتهك كلمة في العربية كما انتهك عرض هذه الكلمة.. فهي يؤتى بها كما الإماء إلى كل المناسبات لترقص وتدق على الدف.. وهذا الاختراع في تصميم معنى الانشقاق لن تروه إلا في لغة الربيع العربي.. اللغة التي تحتقر كل العقول وكأنها طبول..
بالرغم من تخويفنا بحكايا الانشقاق منذ عام ونصف، فإن كل ماسُمّي انشقاقاً عن الجيش السوري لايعدو كونه من الناحية العسكرية بلامعنى.. ومن نافلة القول أن اللجوء والفرار للأفراد لايمكن تسميته انشقاقاً.. لأن الانشقاق هو انفصال جزء مهم عن الجسم الأصلي.. وفرار جندي أو ضابط أو طيار يشبه سقوط ورقة من شجرة كثيفة الأوراق.. ولايشبه سقوط غصن أو فرع كبير.. وسقوط الأوراق لايعني أنه سقوط للشجرة.. قد يعني أنه خريف.. لكن الخريف لايهزم الجذوع والفروع القوية السامقة.. وبالطبع لايهزم الجذور العميقة التي لاتسمع بيانات السقوط الحر للأوراق الصفراء.. ولايعنيها ماتعانيه من وجع تحت "عربات أيلول".. بل من تحت كل ورقة هوت يتدفق ورق كثير أخضر وبراعم.. تأتي من الجذر الراسخ!!.
في المعاني العسكرية للانشقاق لايكون هناك انشقاق مالم يتمكن المنشق من استعمال سلاحه.. والانشقاق في المعاني العسكرية الرسمية هو أن يعلن قائد عسكري خروجه مع قواته على طاعة النظام وهو لايزال مسيطراً على جزء من الجغرافيا.. الانشقاق يعني بقاء القائد والضابط في قطعته العسكرية يوجه فوهات المدافع والدبابات تجاه خصومه.. أما أن يترك قطعته العسكرية ويلوذ بالفرار فمن السخف تسميته انشقاقاً.. فماذا يساوي قائد فيلق هارب من غير فيلقه ومحاربيه؟؟ إن أصغر جندي تمسك أصابعه بمفاتيح النار في دبابة يساوي في مكانه على مقعده في دبابته جيشاً من الجنرالات الفارين الذين ينضمون للمتصارعين في قاعات الفنادق الفخمة حيث الثرثرة.. تتعب من الثرثرة.. وفناجين القهوة تتعب من فناجين القهوة.. والميكروفونات تتعب من الأصوات..
كم تثير سخريتي هذه الاحتفالات بما يحاول كتّاب الناتو تسميته انشقاقات.. وأنا في كل قراءاتي التاريخية للصراعات والمعارك العسكرية تعلمت أن انشقاق القادة والضباط يتم فيما هم محاطون بجنودهم.. وينامون على سلاسل الدبابات كما ينامون على الأرائك.. وحدهم "ثوار العرب" في ربيعهم ينشقون إلى العواصم الغربية حيث العطور والأزياء والفنادق الفخمة.. أو إلى أي ملجأ للأيتام والمعوقين.. فيما التسمية الصحيحة لفعلهم هو (الفرار).. والفرار عمل ليس عسكرياً.. بل من صفات اللصوص..
في اللغة التي تعلمتها على أصولها كانت كلمة (الانشقاق) تعني شيئاً عظيماً، وفي زمن "الجزيرة" صارت الكلمة من أتفه الكلمات.. كنت سمعت أول مرة في حياتي بكلمة انشقاق في سورة الانشقاق (السورة 84 من القرآن الكريم): "إذا السماء انشقت.. وأذنت لربها وحقت.. وإذا الأرض مدت.. وألقت مافيها وتخلت..". وفي سورة القمر ورد الانشقاق معطياً معنىً عظيماً: "واقتربت الساعة وانشق القمر".. ويقال إنها عنت معجزة شق القمر. وفي سورة مريم ورد الانشقاق كما يلي: "تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ".
الربيع العربي جعل معنى الانشقاق تافهاً وعملاً صبيانياً ضئيلاً.. فالانشقاق هو تعرض بنية عظيمة للتصدع والفوالق التي تهشمها.. فالسماء تنشق والقمر والأرض.. أما "الجزيرة" فوجدت معنى آخر للانشقاق مثل: انشقاق الملازم عبد الرزاق طلاس.. وانشقاق مدير عام شركة الزيوت في دوما.. وانشقاق حارس مكتب المساعد جميل!!.
كم انشقاق عبد الرزاق طلاس يشبه انشقاق السماء أو القمر برأيكم من حيث القوة المعنوية والتأثير؟؟؟.. وكم اهتز الجيش العربي السوري (وهو أشبه بعظمته بالسماء أو القمر) بانشقاق عبد الرزاق طلاس؟؟.. أما كان من الأفضل القول: إن ورقة صغيرة سقطت من شجرة الجيش السوري الضخمة بفعل الرياح العاتية.. وكان هذا هو المعنى الدقيق دون مبالغة؟؟.. لأن التهويل يجعلنا نحسّ أن العميد ماهر الأسد هو الذي انشق..
ومن جديد يسيل لعاب كتّاب الناتو لما يقال أنه خروج مناف طلاس من سورية.. وبالرغم من أنني لم أسمع تصريحاً للرجل يعلن فيه تمرده على الجيش، فإن الأقلام والسيوف امتشقت ورحبت بما سمّته انشقاقاً.. ولاأدري أين هو انشقاق ضابط خرج من دون رصاصة واحدة ومن دون بزته العسكرية.. بل ومن دون حذائه وحزامه.. إنه انشقاق السماء والقمر في مصطلحات الربيع العربي.. إنه لايعني شيئاً مهما قيل إنه خزان معلومات عسكرية.. لأن المعارضة تحتاج من يحارب على الأرض عن الناتو.. والناتو ليس بحاجة لمعلومات عسكرية لسبب بسيط أن لديه كماً هائلاً من المعلومات العسكرية عن التسلح السوري وهذا هو السبب الذي يجعله متردداً جداً في التدخل.. وهو يعلم التنسيق الكامل بين ثلاثة جيوش هي السوري والإيراني والروسي.. إضافة إلى جيش حزب الله.. والجيش الخامس.. الذي لايعرفه الكثيرون!!... الناتو بحاجة لضابط كبير يخرج بدباباته ومدافعه ليحارب نيابة عن الناتو ضد هذه الجيوش.. وهذا الضابط لم يوجد بعد..
ومع هذا فإننا محظوظون جداً أن "الجزيرة" وكتّاب الناتو اكتفوا بسرقة معنى الانشقاق وتحويله عن مساره من انشقاق السماء والأرض والقمر إلى انشقاقات الربيع العربي.. ولنحمد الله أنهم لم يستعملوا مصطلحات "نووية" مثل مصطلح "الانشطار" الذي سيسرقوه من قول الله (إذا السماء انشطرت) والقول بأن العميد فلان الفلاني انشطر عن الجيش السوري.. مثلما تنشطر الذرة والإلكترون.. ويحدث التفتت والانفجار النووي..
ولاأملك إلا أن أشكر الله على أن هنالك كلمة أكثر رهبة أفلتت من أفران لغة عرب الناتو، ألا وهي "الانفطار" التي نجت من السرقة وبقيت دون انتباه الثوار المؤمنين وهي أمام عيونهم في سورة "الانفطار" (وإذا السماء انفطرت.. وإذا الكواكب انتثرت.. وإذا البحار فجرت.. وإذا القبور بُعثرت علمت نفس ماقدمت وأخّرت..).
ونجزل الشكر لله على أنه نجّانا من سماع مصطلح "انفلاق" وسرقته من سورة الفلق حيث الصبح ينفلق من الليل.. وإلا لكان الثوار قالوا إن الضابط الفلاني انفلق عن الجيش السوري.. ولاحول ولاقوة إلا بالله.. ولاأملك إلا أن اقول قل أعوذ برب الفلق.. وإلا لكنا سمعنا بحركات الانشطار والانفلاق والانفطار والانفتاق.. وهلّل الكتّاب المجانين لانشطار هذا وانفتاق ذاك.. ولانفلاق هذا وانفطار ذاك.. لافطر الله لكم قلباً ولا وطناً!!.