
جهينة نيوز:
ذكرت صحيفة "الأخبار" أنه مهما قيل عن المؤامرة التي أوصلت سورية إلى ما وصلت إليه من دمار وقتل وتشريد، فإن مما لا شك فيه أنّ «القطبة المخفية» في ما جرى ويجري كانت قمة التآمر التي بدأت عندما بدأت مفاعيل السياسات الاقتصادية والاجتماعية تعمل بالاقتصاد والمجتمع. ولعل أهم ما يمكن أن يقال عن ذلك هو أن اعتماد النهج الليبرالي الأشد تطرفاً من خلال نصائح وتوصيات بعثات الاقتصادية الغربية، مع ما رافق ذلك من نهب وفساد واستئثار، أدت إلى زعزعة استقرار الاقتصاد وتهديد السلم الاجتماعي. فاستكملت بذلك أركان نضوج «مجتمع المخاطر» الذي غذته الرياح التكفيرية وقادته المصالح الخارجية لتحيل سورية إلى ساحة صراع دولي بلا أفق، فيما عدا أفق الدمار وإزاحة سورية عن أي دور يمكن أن تؤديه على نحو مستقل.
وقالت الصحيفة: لكن من رسم وخطط ورعى التنفيذ، لا يترك الأمور تفلت من يده، فهو منذ اليوم الأول كان يفكر في اليوم التالي، أي في مرحلة ما بعد الأزمة، كيف سيصار إلى استثمار ما حصل؟!.. والدردري المُصنَّع في أروقة المنظمات الدولية، والذي قاد المرحلة الاقتصادية التي هيأت المناخ الملائم للأزمة، هو الأبرع في عرض وتنفيذ السياسات الاقتصادية لمرحلة اليوم التالي. ويقوم المشروع الذي عرضه الدردري، والذي أُعدّ بعناية فائقة، على المحاور الآتية:
- تتطلب عملية إعادة الإعمار استثمارات قدّرها بـ60 مليار دولار.
-الدولة لم يعد لديها المال لتقوم بذلك.
- يمكن القطاع الخاص أن يقوم بعبء عملية إعادة الإعمار والاستثمار في البنى التحتية، في الطاقة والكهرباء والنقل والصرف الصحي والمرافئ.
ولتحقيق ذلك، لا بد من وجود مناخ استثماري مناسب يوفره -كما يقول الدردري- عقد اجتماعي جديد سوف يحمله الميثاق الوطني والدستور الجديد. فالمسألة ليست اقتصادية فقط، بل إن المشروع متكامل اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، يتضمن قيام اقتصاد تنافسي (يجمع بين الكفاءة والعدالة). إنه اقتصاد السوق الذي يؤمن نمواً اقتصادياً ويوفر فرص عمل، فهل هو كذلك؟!
وإذا كان الوضع الاقتصادي السابق للأزمة، كان لا يزال يحمل بذور تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي، ويتضمن (بعض) القوة الاقتصادية التي تأتي المديونية القليلة من بين عناصرها، فإن المطلوب الآن إغراق البلاد بالديون الخارجية، لضمان (لا عودتها) إلى قوتها الاقتصادية.
وفي هذه الحالة، لا بد من اللجوء إلى البنك الدولي الذي سوف يرعى المرحلة ويُسهم في إغراق البلاد في المديونية وشروطها، وبالتالي ضمان استمرار تحرير الاقتصاد والتجارة والأسعار وإضعاف الدولة، وصولاً إلى حكومة الحد الأدنى التي سوف تكتفي بدور الراعي للفساد والإفساد، فضلاً عن قبولها الهيمنة الخارجية وضمان مصالح الآخرين؛ أما الشعب، أما جماهير الفقراء، فليس أمامهم سوى الانصياع والرضوخ بعد أن أنهكتهم الأزمة.
وأضافت الصحيفة: والأخطر في برنامج الدردري هو تكليف القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) بإقامة البنى التحتية (وخاصة الطاقة والكهرباء والنقل والصرف الصحي والمرافئ). ورأت أن البنى التحتية، تعتبر أساساً لقيام الاقتصاد الوطني، وهي تشكل مفاصل ومرتكزات لهذا الاقتصاد، وهي مظهر من مظاهر قوة الدولة وسيطرتها على مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولذا فإن السيطرة عليها تعتبر حجر الزاوية في السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي للبلاد.
وقد كانت الدولة، على مدى مسيرتها الوطنية، تمتلك وتدير منشآت ومشاريع البنى التحتية، وفي مشروع الدردري الذي سقط مع الأحداث، كان هناك دور أساسي في السيطرة على البنى التحتية لحساب الشركات المتعددة الجنسية، عن طريق ما يدعى «التشاركية»، أي إقامة مشاريع البنى التحتية على أساس تشاركي مع القطاع الخاص (الذي غالباً ما يكون ستاراً لشركات متعددة الجنسية)، أما ما هو قائم منها فيجري تحويله من ملكية الدولة وإدارتها إلى إدارة تشاركية مع الشركات الخاصة (المحلية أو الأجنبية).
وقد بوشر فعلاً في هذا التوجه، كما وجدنا في مرفأي الحاويات في طرطوس واللاذقية وفي بعض المعامل، إلا أن هذا المشروع سقط أيضاً، بعد أن أدركت الدولة حجم التآمر على الاقتصاد الوطني. ولعل أهم ما يمكن إيراده في هذا المجال، أن لهذه المشاريع علاقة مباشرة بالأمن القومي، وخاصة في مشاريع المرافئ والمطارات والصناعات الإستراتيجية وغيرها.
أخيراً، لا بد أن نشير إلى أن من الضروري أن نظل على يقظة وألا نسمح بإمرار مشاريع تستهدف فتح الأبواب التي أغلقتها الأحداث، التي كشفت أعداء سورية، وبالتالي كشفت السياسات الاقتصادية التي فُرضت على سورية وقادت إلى الأوضاع المتفجرة وسمحت للتآمر الخارجي بأن يجد له موضع قدم في الحراك الشعبي.
المسألة ليست مسألة تمويل واستثمار فقط، بل هي كيف يوضع الاستثمار في إطار سياسي وطني، وكيف يقاد ولمصلحة من؟ المسألة هي كيف نعيد بناء اقتصادنا مع الحفاظ على استقلالنا الاقتصادي وقرارنا السياسي؟ المسألة هي من سيقود عملية إعادة الإعمار، ومن سيكون صاحب القرار فيها، ومن هي القطاعات الشعبية والاجتماعية التي عليها حمل أعباء إعادة الإعمار التي ستجري قطعاً لمصلحتها؟.
أما التمويل فيمكن توفيره بالموارد المحلية، وبإعادة الأموال المهربة أو المسلوبة، وبقطع دابر الفساد والإفساد، وبنظام ضرائبي عادل، وبإدارة اقتصادية نزيهة وواقعية وفعالة، ومن عوائد الاستثمار في مواردنا الطبيعية (خاصة التي لم تكتشف بعد).
وأخيراً، فإن لأصدقاء الشعب السوري دوراً أساسياً في عملية إعادة الإعمار، ونخص بالذكر منظمتين أساسيتين هما: «البريكس» و«شانغهاي»، علماً بأنهما أحدثا في كل منظمة بنكاً للاستثمار، يمكن بضبط العلاقة وتوثيقها مع دولها الفاعلة تنظيم عملية إمدادنا بالتمويل المطلوب ضمن شروط مقبولة من أجل إعادة الإعمار، بما في ذلك تمويل مشاريع التنمية.
وختمت الصحيفة بملاحظتين:
الأولى: أننا لم نجد في الشعارات التي رفعتها المعارضات مشروعاً واضحاً للاقتصاد والمجتمع. ومما يدعو إلى التساؤل، كيف انخرط بعض غلاة المعارضين، الذين كانوا يُحسبون على التيار اليساري التقدمي، في إطار المعارضات التي تمت عسكرتها بعد أن خُطفت حركة الاحتجاج التي كان لها مطالب حقة، لحساب المصالح الخارجية.
والملاحظة الثانية: عندما نشهد الإضرابات والتظاهرات التي تجوب الشوارع الأوروبية (وأخيراً التركية) احتجاجاً على السياسات الاقتصادية والمالية، ألا يعطينا هذا درساً يمكن الاستفادة منه في رسم مستقبلنا الاقتصادي؟!.
21:07
21:48
23:35
02:39
04:06
06:49
22:01
23:46
14:28
05:30
14:44
08:47
18:21
01:43
18:22
12:22
10:32
10:44
22:00
22:15
13:25
04:47
05:33
07:57
21:12