
جهينة نيوز- بقلم نارام سرجون:
إلى من يعتقد أن أوباما قد أخافنا بأسوده المتأهبة فإنه لا يعرف أنه يتعامل مع مدرسة سياسية عريقة في منتهى الحذق والمهارة ورباطة الجأش.. وإلى من يعتقد أن أوباما فاجأنا فإنه لاشك لا يعرف أن جفون المحاربين لا تنام.. ولا يعرف أننا نعرف أن اوباما قد تأخر في اعترافاته عدة أشهر فقط لأن الثورجيين مسلحون بكل شيء حتى أسنانهم..
وإلى من يعتقد أن احتشاد الفتاوى والإسلاميين الإرهابيين في مؤتمرات واسعة قد ألقى في قلوبنا الرعب فإنه لا يعرف عنا شيئا وعليه أن يسأل إسرائيل وجيش أوباما عنا وعن حلفائنا.. وسيلقى الجواب..
وإلى من يعتقد أن محمد مرسي قد أخافنا فإنه مخطئ جدا لأن الحقيقة هي أنه أخافنا على مصر أولا وعليه ثانيا.. وربما لا أغالي إن قلت بأن خطاب مرسي بالذات قد طمأننا.. وأن ما قاله هو مؤشرات قوية على أن الثورة السورية ليست بخير وهي في موقف حرج وتمد يدها وهي تغرق في النهايات والأزمات.. وسنمر بسرعة على سبب هذا اليقين..
قبل كل شيء.. ليس محمد مرسي من يخيف أحدا.. وهو لا يخيف حتى قبيلة واحدة في إفريقيا فما بالك بالشعب السوري الذي شغل العالم ولم يتمكن منه هذا العالم.. والجميع يعرف أن الرجل لاحول له ولاقوة.. فهو يصارع مع إخوانه للبقاء على عرش يهتز.. وليس الغريق هو من يهدد الواقفين على الصخور.. وهو لم يقدر حتى على حماية نهر النيل الذي يجب أن يشد رحال الجهاد إليه..
مرسي أخافنا على مصر لأن رئيس مصر لا يرى شرقه المليء بالتنظيمات التي تتسلل إليه وإسرائيل التي تبحث عن حدودها التوراتية وقصصها القديمة في سيناء ومصر.. ورئيس مصر لا يرى جنوبه المتفكك في السودان والزاحف إليه والدول الناهضة تحت سريره ومخدته.. ورئيس مصر لا يرى غربه الدامي في ليبيا المتفسخة.. ورئيس مصر لا يسمع أنين الشوارع المصرية الحبلى بالأزمات الطائفية.. كما أن رئيس مصر لا يرى أن نهر النيل يستغيث.. لكنه يرى استنجاد سليم إدريس..
إن شخصا يسرق منه نهر النيل جهارا وعلنا لا يخيف أحدا.. وأن شخصا يرضع من ثدي أمريكا ولا يستطيع أن ينفطم عنه لا يخيف من لا يهاب أمريكا.. والكل يعرف أن وقوفه لإعلان مواقف ضد الشعب السوري هو موقف ليس المقصود منه إلا منع إسقاط النظام الاخواني المصري الهش.. ومنع تداعي القطع الاخوانية المرتبكة من تركيا إلى تونس.. الرجل مأزوم جدا وتنظيمه مأزوم أكثر.. ولديه علاقة متوترة مع الغالبية المصرية ومع كل شيء في مصر حتى مع أبي الهول.. فعلاقته غامضة بمسلحي حماس وهو متهم بالتآمر خلسة على الجيش المصري إضافة إلى وضوح الفشل الذريع في التعاطي مع أهم أزمة في حياة مصر منذ وجودها وهي مصير نهر النيل الذي قال هيرودوت عنه قوله الشهير: إن مصر هي هبة النيل.. وفي عهد مرسي سيقال إن مصر سرق منها النيل..
ما يلفت النظر هو هذا الإسهال والسخاء في المواقف الدولية تجاه سورية التي توّجها عنتر مصر محمد مرسي والذي بالطبع يبدو مفهوما للغاية بأنه لتقوية معنويات الثورة السورية وحقنها بالمقويات بعدما سقطت القصير بسهولة فاجأت العالم.. وهو الذي انتظر صمودا حتى لأيام في الحي الشمالي حيث تكثف الوجود المسلح بالآلاف.. وصار السؤال الملح هو متى تتهاوى بقية القلاع الحديدية المسلحة في سورية التي تبين أنها ليست إلا قلاعا رملية بدليل تخلخل المسلحين وقوى الثورة دراماتيكيا في القصير.. فهذه القوى انهارت في ساعتين رغم كل الدعم في مدينة كان يعول عليها أن تقصم ظهر النظام السوري عبر جغرافيا تشطره وتغلق الباب الخلفي لحزب الله لفصل الأخ الأكبر عن الأخ الأصغر.. بعد فاجعة القصير بدا واضحا للجميع أن بقية المناطق السورية ستسقط في منتهى السهولة واحدة تلو الأخرى وسيتم دومينو السقوط لكتائب المسلحين ومواقعهم بأسرع مما كان متوقعا.. ففي خلال شهرين من تحرك الجيش على مهله تحول الثورجيون إلى حالة الدفاع وشوهدوا يمارسون الانسحاب التكتيكي على أصوله ويهرولون في تراجع مهين.. وهذا يعني أن محور الشر لن يبقى له في الميدان قوة ليتفاوض باسمها خلال الأسابيع القادمة..
التقارير الميدانية الغربية تشير إلى أن الثورة تحتاج إلى معجزة للبقاء طويلا بعد الصدمة التي كشفت وهنها العسكري الشديد في مفاجأة القصير اللامتوقعة.. وحدثت صدمة أخرى بسبب الوضع التركي الذي قد يحرم الثورجيين من نصير كبير في معركة تحرير حلب بسبب انشغاله بلملمة بيته.. والاستطلاعات الميدانية تشير بقلق بالغ إلى أن الوضع النفسي للثورة مؤرق للغاية بسبب هذه التطورات وأن هناك حاجة ملحة لفعل شيء لأن الكثيرين من الثوار بدؤوا يغادرون الميدان.. ومن هنا يفهم أن سلسلة المواقف المتوالية تشبه إسعافا سريعا بالأدوية والمصول والإسعافات.. سيارات الإسعاف والشرطة تتداعى وتتزاحم ونسمع صفاراتها المختلطة فيما الأطباء والمسعفون يهرولون إلى موقع الحادث.. فقد وصل الإسلاميون وفتاوى الجهاد ووصل الفرنسيون والبريطانيون ووصل الشرطي أوباما.. علّ جمهور الثورات يطمئن نفسه بأن الشرطة وصلت وأن الإسعاف وصل وبأن الثورة لن تموت بإذن الله وبأن المشروع الاخواني لايزال قادرا على البقاء..
هذا الضجيج يدل على شيئين مهمين وهو أن القلق كبير جدا على مصير الحركة الاخوانية على العموم والتي تبيع مواقفها مقابل البقاء وهي الآن مستنفرة وقلقة.. ولكنه قد يدل برأي البعض على أنها تحضيرات مؤتمر جنيف.. بحيث تظهر المعارضة وقد أرضيت بالسلاح (ولو رمزيا) وتتشدد الأطراف الداعمة.. وعندها تستطيع قوى الثورجيين القول بأنها الآن قادرة على الحضور.. فهي قد اشترطت التسلح لتوازن النظام عسكريا كي تقدر على التفاوض في جنيف.. وهي الآن تحظى بدعم خارجي عارم ينسي الناس مر الهزيمة في القصير وعدد من المواقع..
ولا يرى الكثيرون أن الموضوع يتعدى العض على الأصابع.. لأن تغيير الاتفاق الروسي الأمريكي ليس واردا الآن وهو اتفاق ليس نحو المواجهة.. بل الاتفاق هو حمل الأطراف إلى جنيف.. والأمريكيون -كما يتردد- يريدون أن تصل الدولة السورية إلى جنيف وهي قلقة من التغيرات المفاجئة ومستعدة لبعض اللين أثناء المفاوضات.. وكذلك يريد الأمريكيون أن تحس المعارضة أنها لم تؤخذ إلى جنيف مهزومة ولابد من إعلان تسليحها وتشديد الصراخ بمساندتها كي تبرر لجمهورها الذهاب إلى جنيف..
لذلك قام محور الشر بإطلاق مجموعة من المواقف المتتالية والمتلاحقة التي لا يفهم من تلاحقها وتسلسلها إلا تطمين القلقين والواجفة قلوبهم.. ولذلك بدا الكلام عن جبهة حلب وخطوطها الحمراء والسلاح الكيماوي ثم انتقل الأمريكيون فجأة من حالة الأسد المتأهب إلى التسليح المتأهب.. وبحركة سريعة مفهومة متوافقة مع الحركة الأمريكية تداعى الإسلاميون إلى مؤتمر في مصر للإفتاء بالجهاد السريع التي تلاها موقف من الرئاسة المصرية الأسرع بأن المصريين قادرون على القتال في سورية دون مساءلة.. ثم شمر محمد مرسي عن عضلاته.. وأعلن عن جملة إجراءات هي الأكثر عنفا لمعاقبة النظام السوري وتهديد حزب الله.. وكان يتحدث ويكرر عباراته وكأنه يستجمع خطاب عبد الناصر عام 1956 عندما أعلن عن تأميم قناة السويس.. ولكن ليس عند محمد مرسي شيء لتأميمه.. لاشيء بقي في مصر.. يبيع الإخوان كل ما بقي من الأثاث السياسي العريق في البيت المصري.. لذلك يبحث مرسي عن شيء يؤممه في الخارج..
ظهور مرسي كان مسرحيا جدا ومثيرا للسخرية وهو يطالب حزب الله بالخروج من سورية فيما إسرائيل في الأقصى يوميا وفي كل فلسطين ومنذ أن ولد مرسي.. ولكنه مسكين لأننا جميعا نعرف أنه مدين لإسرائيل في وصوله للسلطة.. وأنه لاحول له ولاقوة.. وكان الله في عونه..
لقد أراد مرسي الظهور مع جملة البيانات كما لو كان يظهر في الحملات الدعائية والإعلانية مع حشد كبير يهلل ويصفق.. وربما كان كل واحد من المصفقين ينتظر كيس رز وسكر بعد الخطاب كما درجت عليه عادة الرشوات الاخوانية للفقراء والمتدينين في مهرجانات دعائية وانتخابية.. ولكن الحشد أيضا كان حشدا للإخوان بامتياز وتميز بكثرة اللحى والجلابيب والأغطية والأقنعة والشراشف وغابت مصر الجميلة البهية عنه كليا.. فهو حشد للإخوان المسلمين وليس للشعب المصري الذي ليس همه الآن الجهاد في سورية وهو يرى أنه محاصر بالأزمات في وجود إسرائيل شرقا وحماس التي تتحول إلى "بلاك ووتر" على كتف مصر بالتدريج.. وتستعد فوضى ليبيا لاجتياحه غربا.. ومياه النيل وأزمات السودان جنوبا.. ومع هذا يريد الرجل أن يحارب في أقصى الشمال..
هذه التمثيليات وأبطال الكرتون تسبب التثاؤب.. وعلى الجميع أن يدرك أننا في الحرب لا نؤخذ على حين غرة.. والسيد حسن نصر الله كان يعرف أنه إن دخل سورية أم بقي خارجها فإن الثورجيين قد أحضروه معهم إلى سورية في رواياتهم الأسطورية منذ الأيام الأولى وفعلوا العجائب لاتهامه واستفزازه كي يدخل إلى سورية حتى وصل الأمر إلى اختطاف حجاج لبنانيين في اعزاز.. ولكنه لم يدخل إلا عندما عرف أن الثورة هي في النهاية ثورة إسرائيلية خالصة وأنه هو ومقاومته المقصودان وأنهما غاية الثورة.. ولكنه صبر على تحرشات الثورجيين حتى نضجت جلودهم.. فقال لهم: سنكون حيث يجب أن نكون.. لا حيث أنتم تريدون.. وحيث يكون نصر الله تكون الحقيقة..
مرسي 2013 لا يمكن أن يقف في حذاء ناصر 56 رغم الجهد الواضح لإضفاء صورة ناصر 56 على مشهد تأميم (سورية).. ولا يمكن لمرسي أن يمد جناحيه كما مد عبد الناصر جناحيه اللذين وصلا من المحيط إلى الخليج.. ومرسي ليس إلا مجرد طائر صغير بلا زغب القطا لا يكاد جناحه العاري يخرج من شرفة قصر الاتحادية.. فهو ليس أكثر من هبة قطر لسليم إدريس..
ولابد من تذكير مرسي أن نهر النيل لا ينبع من شمال سورية.. وهيرودوت يراقب هذا الذي يعبث بأم النيل وحضن النيل.. ولابد أن يقول له شيئا قريبا.. انتظر هيرودوت يا مرسي.. عند هيرودوت الخبر اليقين.
يا مرسي تعلم الجغرافيا ومسير الأنهار الكبرى.. نهر النيل.. ونهر الفرات.. ونهر بردى.. ونهر الأردن.. وأهم الأنهار.. نهر نيران الجيش السوري وحزب الله الذي وصل إلى ما بعد بعد حيفا.. فكيف بك تريد الوصول إلى ما بعد بعد حيفا.. شمالا..
يا مرسي هذا عار.. وهذا حيف.. فاقعد قبل قبل قبل حيفا مع صديقك العظيم.. وارفع الأذان بصوتك في الكنيست الإسرائيلي إن تمكنت.. تبا لك!!.
10:05
19:11
19:28
10:58
12:16
15:50
01:25
01:34
01:41
02:22
02:28
15:56
16:43
08:04
17:33
20:05
05:28
05:31
04:23
03:31