جهينة نيوز- بقلم نارام سرجون:
وجاء الأضحى.. وصعد المسلمون إلى عرفات ونحروا وصلوا وابتهلوا إلى السماء ضارعين أن ينصرهم الله على أعداء الدين.. وتبادل الملايين التهاني بالعيد.. ورفع المسلمون أياديهم إلى السماء ودقوا على أبوابها الفولاذية بقبضاتهم وهم يبعثون بتضرعات الاستغاثة ويرفعون الأصوات المكلومة والجريحة بالغصة والقهر.. علّ من في السماء يسمعهم وعلّ الأقفال التي توصد السماء تستجيب لهم وتسمح لطوفان الألم والأنين أن يمر من فم الأرض إلى أذن السماء.. ولكن آذان السماء الزرقاء مقفلة بالشمع الأحمر القاني حتى إشعار آخر.. شمع أحمر بلون دم المذابح في بلاد المسلمين.. وربما ستبقى مغاليق السماء موصدة حتى يعلو أقفالها الصدأ.. ولا يبقى من دعاء المؤمنين إلا الصدى..
في عيد الأضحى لن أصلي معكم صلاة العيد حتى لو غضب المؤمنون فيكم وأحلوا سفك دمي.. ولن أردد أناشيد العيد التي تهزم الأحزاب مع صلاة الفجر.. وفي عيد الأضحى لن أكتب قائمة بأمنياتي إلى الله.. ولن أحلم بالمعجزات.. لأنني لن أكذب على الله.. بل سأقول الحقيقة له.. سأقول لله بأن ما يطلبه المسلمون في أعيادهم هو المعجزات المحرمة.. والأمنيات التي تنافقه.. فهم سيطلبون منه أن يهزم لهم أعداءهم.. ولكنهم صباح مساء يستجدون أعداءهم لغزوهم وتحريرهم لإقامة دين الإسلام في بلاد الإسلام وليعيدوا لهم الخلافة.. ولكن كيف يعيد الغرب الخلفاء والخلافة وهو من دمر الخلافة وآخر الخلفاء؟؟..
والمسلمون يطلبون أن ينصرهم الله بجنود الملائكة بعد أن أفرغوا السماء من ملائكة الله التي حشدوها بخيولها البيضاء في شوارع حمص.. المسلمون سرقوا الملائكة وأجنحتها وباعوا خيولها البيضاء بثمن بخس لا تباع فيه الجرذان البيضاء.. إن أمة سرقت ملائكتها وزجتها في حمص وادلب وسيناء ولم ترسل ملاكا واحدا إلى القدس والمسجد الأقصى لن يرسل الله لها ملائكة بل شياطين بلا رحمة.. لأنها تستحق أن ترسل عليها طير الأبابيل.. ترميها بحجارة من سجيل.. لتجعلها كعصف مأكول..
المسلمون في عيدهم يتوسلون إلى الله أن يرمي كيد الأعداء في نحورهم وأن يعز الله الإسلام وأن يظهره على الدين كله.. ولكن ماذا عن نحور المسلمين التي نحرها المسلمون الوهابيون وفجروها بالسيارات المفخخة؟؟.. وكيف يعز الله الإسلام وأهل الإسلام يستعينون بكل أعداء الدين لنصرة الدين؟!!.
من جديد لن أصلي خلف أحد صلاة العيد قبل أن يعود الإسلام للعيد.. ولن أصلي العيد وعيدنا جريح ومضرج بدمنا ودم ديننا.. بل سأدخل مع العيد إلى غرفة التحقيق التي سيقيمها التاريخ لهذا الجيل وأعياده.. وسأحاول أن أجيب على أسئلة المحققين الذين ينظرون الآن في أوراق هذا الزمن.. وإن كان هناك من سؤال سيستجوبني كل يوم وسيقوم بتعذيبي بالحيرة ويرهقني "باللاأدرية" وسيجلدني ألف مرة فهو سؤال واحد وهو: هل يستحق حلم الخلافة والدولة الإسلامية كل هذه القرابين التي يقدمها العرب والإخوان المسلمون؟.. وإن كان من جلاد سيضربني بلا رحمة فهو سؤال قاس لا قلب له سينظر غاضبا في عيني وهو يقول: ما هو مستقبل الدين الإسلامي بعد هذه الأزمة العنيفة والعاصفة الهائلة التي تعرض لها؟.. ثم لن أقدر على الإجابة وهو يسألني باحتقار ويقول: هل هزم الغرب الإسلام أيها المسلمون؟ لماذا لا تعترفون أنكم هزمتم؟..
في الصراعات الكبرى لا يعرف الناس الأهداف الكبرى للمتصارعين وربما لا تعرف الأهداف الكبرى من الصراعات إلا بعد مرور السنين عليها وظهور نتائجها.. ليست خسائرنا في أبنية وأجساد وعمارات ومدن خراب.. لكن الخسائر الكبرى ستظهرها السنوات المقبلة عندما قد نجد أن الإسلام صار بلا عيد وأن العيد صار بلا إسلام ولا مسلمين عندما لن يجد من يحتفل به.. إلا المجرمين وحلف الناتو..
مراهقو الإسلام السياسي في عالمنا من الإخوان المسلمين وكل التيارات السلفية والإسلامية لا يعرفون كيف أنهم في سعيهم الأهوج للسلطة هدموا الدين الإسلامي هدما لم يهدمه أحد منذ الدعوة المحمدية.. حتى في ذروة الصراعات البينية الإسلامية لم يكن الإسلام في محنة كهذه المحنة التي تسبب بها الإسلاميون الجاهليون.. فحتى عندما وقعت الفتنة الكبرى فإنها كانت عمليا تبادل مواقع بين السلطة والمعارضة بين قبائل العرب كما يحدث الآن ولكن بنسخة قديمة.. فالصراع الذي انطلق في الفتنة ينظر إليه الباحثون على أنه سياسي بامتياز بحيث أن البيت الأموي (المعارض) قد قام بعملية انقلاب واضحة على البيت الهاشمي (السلطة) وانتقل من وضع المعارضة المهزومة منذ فتح مكة إلى الاستيلاء على السلطة.. فيما انتقلت السلطة في البيت الهاشمي لممارسة المعارضة (أنصار الحسين عليه السلام).. وتجاذب الطرفان كل الذرائع والحجج.. ولم يتورع الطرفان عن استدعاء الأحاديث الملفقة والأكاذيب لإظهار أن كل طرف هو الفئة الصالحة فيما غريمه هو الفئة الباغية.. لتبدأ بعدها عملية إعادة صياغة الوعي الإسلامي حسب المعارضة والموالاة.. ولكن لم يحدث أن أحد الفريقين استعان بالروم لهزيمة خصمه.. لا معاوية ولا علي.. رغم أن هذا الخيار كان ممكنا جدا.. وحتى عند انهيار الدولة الأموية جاء العباسيون بمسلمين فرس مثل أبي مسلم الخراساني ليشد من أزرهم ولم يطلبوا نجدة من بيزنطة النقيض العقائدي.. ناتو ذلك الزمان.. وكذلك لم يلجأ الأمويون لذلك الخيار.. وسافر عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) إلى اسبانية وأقام ملكه دون أن يتواطأ مع ملوك أوروبة لاستعادة السلطة..
المشروع الإسلامي الذي مر من أمامنا عبر الربيع العربي لم يقدم نموذجا خلاقا واحدا جذابا ومغريا بانتهاجه.. ولم يقدم نموذجا أخلاقيا يعتد به ويباهى به.. وهذا المشروع طرح أمامنا مواجهة مؤلمة مع أقسى سؤال وهو: هل أفلح الغرب في تهديم الإسلام عبر تقديم كل أشكال الإسلام السياسي من المحيط للخليج بكل نكهاته إسلاما بلا قواعد أخلاقية صارمة وإنسانية؟؟..
هذا الخواء الإسلامي من الضمير والأخلاق لا يبدو أنه شغل كثيرا تفكير القادة الإسلاميين بل كل ما كان يشغلهم هو بناء الخلافة والوصول إلى السلطة بعد فشلهم خلال العقود الماضية في إقامة دولة الخلافة.. فأرادوا الاستعانة بقيم الأحزاب السياسية الدنيوية ووسائلها الانتهازية لبناء دولة إسلامية طالما أن القيم الروحية والأخلاقية العليا لم تثمر ولم توصل طرقها إلى السلطة فظهر فقه تبرير تبرير اللجوء إلى نفس المناورات السياسية للأحزاب الدنيوية مثل العنف المفرط والقسوة والإكراه والتحالف مع النقائض والصفقات.. وهذا المبدأ هو بحد ذاته كان تعبيرا صريحا من أن هذه الأحزاب الإسلامية لم تعد مقتنعة أن إسلامها وقيمه صالحان لهذه الدنيا وهذا العصر ما لم يتغيران كما تريد الدنيا وأهلها.. ولم يعد الأمر أن يقوم الإسلام بتغيير الدنيا بل أن يتغير ليناسب الدنيا.. وهذا أول تهديم لفكرة الإسلام الدين الذي لا يباع ولا يشرى.. وهو اعتراف صريح بأن الإسلام كدين ليس فيه من القوة لينجز مشروعه إلا بالاستعانة "بالكافر" لأنه عقيدة فاشلة لا تقدر على التطور ومواكبة متطلبات العصر.. بل إن التحالف مع من يعتبر الكافر "الصليبي واليهودي" بدا سبيلا يجب تلمسه لبناء الخلافة.. فالمسلمون العراقيون الشيعة استعانوا بالكافر الأمريكي للوصول إلى السلطة.. والمسلمون الليبيون السنة استعانوا بالكافر الفرنسي والانكليزي.. والمسلمون المصريون السنة صادقوا الكافر اليهودي وحفيد القردة والخنازير من أجل بناء الخلافة.. والمسلمون السوريون السنة استعانوا بكل العالم الكافر من أجل أن يصل إسلامهم إلى السلطة وإنشاء الخلافة.. خلافة يبنيها الكافر لنا تعني أن ديننا ضعيف مهيض الجناح.. وأنه ليس فيه بركة السماء وأننا في قرارة أنفسنا لا نؤمن أنه دين يعتمد على قوته الذاتية.. بل هو إسلام كسيح على كرسي متحرك وينتظر من يدفعه إلى الطريق ليصل إلى بيت الخليفة وفراشه.. وليس على الطريق إلا الكفار "الصليبيون واليهود" الذين يمشون ويتجولون ويدفعون الكراسي المتحركة.. عبر الفصل السابع..
في عملية الرضوخ التي رضخها الإسلاميون للمشاريع والقيم الدنيوية كانت هناك عملية أخرى تسير دون انتباههم وهي تفكيك البنية الرئيسية لأي مشروع ديني إسلامي.. وهو تحطيم القيم الأخلاقية التي يتسلح بها الدين.. في الطريق إلى السلطة قام المسلمون المندفعون بتفريغ الإسلام من كل قيمه الروحية والأخلاقية وغاب عنهم أن الخلافة التي تبنى بلا قيم أخلاقية عالية هي مشروع افتتاح كازينو إسلامي ليس إلا.. وهنا فقد المشروع الإسلامي أهم وأقوى مقوماته وهي الحاضن الوطني والعلماني الشعبي الواسع الذي كان ينظر إلى المشروع الإسلامي على أنه مشروع أصيل له منطلقاته الغيبية ولكن على الأرض له جذور وطنية.. واليوم انفصل المشروع عن حاضنته الوطنية الشعبية وحدث سوء تناغم فظيع وعدم انسجام مع العلمانية.. وتحول التفاهم والتفهم بينهما إلى نزاع وصراع.. لن يمكن للتيار الإسلامي الفوز فيه ولا العودة إلى غابر الأيام وعلاقة التسامح والسمن والعسل..
لن يمر ما حدث مرورا عابرا ولن يمكن إصلاح ما دمره الحدث الثوري الإسلامي وربما وصل إلى نقطة اللاعودة لأنه دمر البنية الأساسية للعقل الإسلامي تدميرا هائلا.. فقد حولته الأزمة والعلاقة مع السياسة وعقلية الانتهازية الحزبية إلى عقل مجرم قاتل دموي يقبل بالأثمان البخسة وتسيره الغرائز.. وعقل رخيص يباع ويشرى بالمال النفطي وبإقامة في فنادق سياحية.. وأظهره مربوطا لأول مرة بالعقدة الجنسية المكبوتة عندما قام بتغيير بدهيات أخلاقية لا تحتاج كبير عناء لاكتشاف أنها لا تستوي مع الفطرة الطبيعية للبشر وللدين السماوي.. وتغاضى قادتهم عن تبرير الزنا والفجور الأخلاقي وعمليات السبي والاغتصاب الذي ضرب مجتمعات الثورة باسم جهاد النكاح ونكاح المحارم والموت من أجل نكاح الحوريات.. التغاضي وعدم التصدي لهذا الفجور الأخلاقي كان موافقة ضمنية عليه وتساهلا مع الانحراف القيمي الهائل لجيل الثورة الذي يفترض أنه حامي القيم العليا للمجتمع القادم.. ثم تطور التفنن في عملية التغطية عليه والتبرير له بأن شبهه بعضهم بزواج المتعة الذي أجازه الرسول في الغزوات وحرمه عمر بن الخطاب عندما حكم.. تناقض هائل في العقل يكاد ينفجر منه عند دوران السؤال فيه: كيف ترفض زواج المتعة وتتهم البعض بأنهم أبناء متعة ولكنك تجيز جهاد النكاح؟؟!!.
والتناقض الفج الآخر هو أن الإسلام قبل أن يكون دينا فإنه ثورة إنسانية تحلق حولها المستضعفون لتحقيق عدالة اجتماعية كانت غائبة.. ولكن الإسلام الحالي قام في كل مكان إلا في دول الفساد الخليجي والإمارات العائلية التي تمثل بالضبط ما يمثله أعيان قريش وفسادهم واستئثارهم بالثروات والامتيازات في زمن الرسالة.. وتسابق الإسلاميون من تونس إلى سورية لإغداق الثناء والشكر على عائلات الفساد تلك والممالك الظلامية الخليجية... وتشبه مباركتهم لهذه الممالك أن يقوم النبي بشكر أبي جهل وأبي لهب لأنهما يضيقان على أهالي يثرب من الأوس والخزرج..
ولعل انهيار تلك الذريعة القديمة بأن النظم القديمة حرمتهم متعة الجهاد ضد الكفار واليهود دليل قوي على انهيار قناع كثيف ونفاق لا لبس فيه لأنه تبين أنها كانت شعارا للاستهلاك ومجرد كلام جرائد واحتفاليات.. بل إن السلام وحجم الاطمئنان الذي يعيشه سكان قاعدة العيديد وسكان المستوطنات الإسرائيلية في عصر الثورات الإسلامية شيء يستدعي الدهشة.. رغم أنها حصون تشبه تاريخيا في أهميتها حصن خيبر.. ولكن لم يقترب أحد من حصن خيبر وصرنا نشك في أن فتح خيبر قصة حقيقية..
حتى قيم الجاهلية من الوفاء والإخلاص والشهامة دهستها القيم الإسلامية البراغماتية التي تبنتها حماس المتقلبة كالأفعى وتولى توزيعها على جمهور المسلمين حزب العدالة والتنمية التركي.. وعرفنا منهم أن القيم الإسلامية هي اللا وفاء والبقاء بلا عهد ولا ميثاق بدل رد الدين الذي في الأعناق.. شعارهم الغدر والطعن في الظهر والميل مع كل مائل والنعيق مع كل ناعق.. وظهر الإسلاميون في سورية نسخا قبلية تمارس اللصوصية والغزو وقطع الطريق.. تغزو الصوامع والمعامل وتسلبها وتبيعها كما كانت قبائل الجاهلية.. والمفجع أن هذا تم بمباركة وإشراف حزب تركيا الإسلامي وزعمائه..
هذا المرحلة الفاصلة في التاريخ الإسلامي ستكون لها تداعيات رهيبة على المجتمعات الإسلامية.. لأنها ستتفوق على تداعيات الفتنة الكبرى التي شقت الإسلام عندما عرضته إلى أول هزة ضمير وارتجاج أخلاقي.. والخطير في الأمر هو أن المعطف الحديدي الذي كان يحمي المجتمعات الشرقية من الغزو الثقافي والقيمي الغربي كان منسوجا من الثقافة الدينية والإسلامية.. وبسقوط المعطف الأخلاقي في هذه الرياح سيجعل عملية الاجتياح الثقافي والقيمي الغربي لمجتمعاتنا سهلة جدا بعد سقوط المعطف التراثي والقيمي.. وربما تكون عملية الاجتياح بلا مقاومة تذكر لأن هذه الثورات الإسلامية شقت العقل الإسلامي ووضعته بين نقيضين يتجاذبان وتمكنت من إحداث زلزال أخلاقي ليس له حدود.. ولو قارنا بعض أحداث الفتنة الكبرى لوجدنا تشابهات كبرى من حيث وسائل الصراع والذرائع والآثار المترتبة على ذلك.. لكن الأزمة الحالية للإسلاميين دخلت منحى انتحاريا..
فمثلا في أيام الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية تراشق الفرقاء بكل شيء من المنجنيق إلى "الحديث الموضوع" في حرب إعلامية مستعرة حلت محل التحريض باليوتيوب والفيسبوك.. فكان الحديث بالحديث.. فمثلا ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" أحاديث غاية في التضليل من مثل أن جبريل جاء رسول الله وقال له: يا محمد أقرئ معاوية السلام واستوص به خيرا فإنه أمين الله على كتابه ووصيه وهو نعم الأمين.. وفي حديث آخر: الأمناء ثلاثة: هم جبريل وأنا ومعاوية.. وعن ابن عمر أن رسول الله قال: يا معاوية أنت مني وأنا منك.. ولتزاحمني على باب الجنة كهاتين (وأشار بإصبعه الوسطى والتي يليها).. وكانت الغاية من هذه المبالغات الإعلامية حسب الدكتور محمد عابد الجابري في كتبه عن نقد العقل العربي (العقل الأخلاقي العربي) هي إعلاء شأن معاوية ليضاهي علياً في المكانة.
وقد رد المعارضون والهاشميون بنفس سلاح الحديث الموضوع وافتروا على الرسول بالأحاديث.. فقالوا حديثا عن عبد الله بن مسعود يقول فيه: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه..(وفي حديث آخر فاضربوه بالسيف).. وقالوا أيضا إن الرسول كان إن رفع رأسه على المنبر من الركعة الثالثة قال: اللهم العن معاوية والعن عمرو بن العاص..
هذه التراشقات بالأحاديث الملفقة بين فريقين كانت تعكس أزمة أخلاقية كبرى وأزمة ضمير إسلامي تجرأ حتى على الرسول وافترى عليه وأحدث اهتزازا في القيم تسلل عبر العصور إلى كل مناحي الحياة.. وتسللت إلى طريقة علاجنا للخلافات الحادة البينية..
وظهرت اهتزازات القيم جلية في الربيع العربي الذي تفوق على أزمة الفتنة الكبرى بأنه أدخل الإسلام في عصر المساومات والتنازلات الكبرى التي قد تتسبب في اقتلاعه من جذوره وتحويله إلى بقايا تراث شرقي.. وبدت أزمة الضمير الكبرى الإسلامية في التغاضي الواسع الانتشار عن الخيانة الثورية وتبرير استجداء الناتو والتقرب لإسرائيل ومدح العنف الثوري الأقصى والمباهاة بالكذب على أنه وسيلة أخلاقية في النزاعات البينية والانغماس في الحرب المذهبية ومشاريع التقسيم الطائفي بل واستباحة وقتل المسلمين وتعذيب الأسرى وحرقهم بالنار وهم على قيد الحياة.. وقتل علماء المسلمين وهدر دمهم.. وتجلى الانحلال المنطقي والأخلاقي بعودة ظاهرة الافتراء على الرسول والتجرؤ عليه بظهور رواة لرؤى أن الرسول صار يصلي خلف إسلاميي هذا الزمان.. ويتعشى معهم في الجنة.. ويوصينا بهم كما يوصي بالأئمة المعصومين.. وكاد البعض يقول في مصر إن رسول الله قال: يا مرسي.. أنت مني وأنا منك.. ولتزاحمني على باب الجنة كهاتين (وأشار بإصبعه الوسطى والتي يليها)..
إن الغرب ترك الإسلاميين يقعون في الفخ كي تنسلخ المجتمعات المسلمة عن الدين الإسلامي كمنظومة قيم صار ينظر إليها على أنها تفرز قيما رديئة ورخيصة ومخيفة للحضارة إن انفلتت على هواها.. وقد حدثني أحد الإسلاميين السودانيين أن بشائر ذلك تجلت في انطلاق موجة من الإلحاد والتحدي للسلطة الدينية والاستهتار بها نكاية بتصرفات الإسلاميين في العالم العربي من تونس التي باعت كل مشروعها إلى ايباك.. إلى إخوان سورية الذين استقتلوا للحصول على الفصل السابع وشرب اليورانيوم المنضب..
لا توجد ثورة ولا ثوار على مر التاريخ قاموا بتدمير كل ما لديهم وأهم أسلحتهم كما فعل ثوار العرب المسلمون من تدمير الدولة الوطنية وتدمير السلم الأهلي والأمن الاجتماعي وتدمير هائل لمجموعة القيم والأخلاق التي تحكم المجتمع وأهم شيء قامت به هو تدمير عنيف للدين الإسلامي نفسه واقتلاع لقلبه.. من أجل السلطة وكرسي الخلافة.
*****
ومنذ تبين للإسلاميين أن الغرب قد باعهم (بالكيماوي) وتخلى عنهم بدأت لديهم هستيريا الاستفاقة.. ولكن كما تأخروا في كل شيء فإنهم تأخروا في الاستفاقة والتنبه إلى الورطة الكبرى.. فقد نشط مؤخرا التنصل من جرائم الثورة عند أهل الثورة.. وفجأة بدا أهل الكهف الثوري يستيقظون وفتحت أقلامهم عيونها المثقلة بالنعاس والمخدرات وتثاءبت في الظلام.. تماما كما استيقظ أهل حماس وتنبهوا بعد سنتين "فقط" إلى أن خالد مشعل حمل خطأ علم الثورة السورية.. رغم أنه لم يتنكر لهذا العلم عندما عاتبه البعض عليه وتركه محمولا "خطأ" طوال سنتين.. بل ذهب بنفسه إلى الخليفة في استانبول وبايعه لينصر ثوار الثورة.. قبل أن يستيقظ من هلوساته الإسلامية..
كانت الأقلام الثورية مستنفرة طوال ثلاثة أعوام لا هم لها إلا البحث عن براءة السكاكين من دم الأعناق الممزقة.. وطوال ثلاثة أعوام كانت أقلام المتثاقفين تصيبها البحة وهي تصرخ مبتهجة بإنجازات الثوار العنيفة والدعاء لهم وللسكاكين الطاهرة.. وكلما كنا نطالبها بإدانة الجرائم كانت تقلع عيونها وآذانها وترفض حتى أن تنظر إلى همجية الذباحين وتكبيراتهم.. وظهرت موجة من الكتابات تبرر العنف الثوري الأعمى بأنه رد فعل منطقي على عنف النظام.. فالعنف يقابل بالعنف.. وبأن للثورات حماقاتها وعنفها..
وكانت هذه العنترية الفارغة أخلاقيا سببها الغطاء الكثيف من التفهم الغربي الخبيث والفخ الأخلاقي الذكي للثوار الإسلاميين والمثقفون الثوريون وقحون وقليلو أدب إلى جانب أنهم أغبياء جدا.. ويتصرفون كأشخاص يمارسون الرذيلة لكنهم لا يستحون منها ما لم تنشر في الصحف الرسمية وتصبح الفضيحة بجلاجل..
فمنذ أن بدأ الإعلام الغربي ولغاية في نفس يعقوب ينشر بعض أوساخ الثوار –وما أكثرها- مثل العنف العنيف والصفقات القذرة صار الثوار يتعجبون من تلك الصور ويرفعون حواجبهم تعجبا كأنهم لا يعرفون هذه السكاكين وهؤلاء القتلة ويتنكرون لها وتلاشت ذريعة أن العنف يولد العنف.. بل إن بعضهم روى لنا شكوكه بأن الكاميرات التي تلتقط المشاهد هي كاميرات مهنية وخبيثة وهذا يدل على أن المشاهد قد أخرجتها وأمرت بها أجهزة المخابرات السورية لتشويه الثورة العذراء وتحبيلها بالشر.. لأن الثوار ليسوا أبالسة على هذا الشكل.. والثوار ليسوا بهذه القسوة والهمجية.. والحيوانات التي تظهر في المشاهد ليست للثوار بل لأشخاص يمثلون أنهم ثوار أو يتلقون أوامر من مخابرات النظام دون أن يدروا..
بعد صمت عامين واحتفالات بانتصار السكاكين وقطف الرؤوس وتداولها.. وحفلات رفع الأطفال إلى مصاف الرجال الذين يقطعون الرؤوس ويعزفون أناشيدهم بالسكاكين.. وحفلات رمي القتلى من أعالي الأبنية ومن على الجسور.. اكتشف هؤلاء أن مشاهد اليوم التي تبثها القنوات الغربية هي غريبة عن الثورة بل هي من صنع النظام السوري الخبيث الذي يشوه الثورة.. ولكنه استيقاظ للأخلاق تأخر كثيرا..
ولذلك فإن الله سيعذرني إن كنت رفضت الصلاة في عيد صار يحتاج إسلاما.. وسيغفر لي الله أنني تلكأت عن الاحتفال بالصعود إلى عرفات ومناجاته.. لأنني لن أصلي خلف أحد صلاة العيد قبل أن يعود الإسلام للعيد.. ولن يعود الإسلام للعيد قبل أن يعود إلى أرض الحجاز.. ويعود لنا عيدنا الذي سرق منا.. وضاع منا..
وأنا لن أردد أناشيد العيد التي تهزم الأحزاب مع صلاة الفجر.. وفي عيد الأضحى لن أكتب منذ اليوم قائمة بأمنياتي إلى الله.. ولن أحلم بالمعجزات.. لأنني لن أكذب على الله.. بل سأقول له الحقيقة.. لاشيء غير الحقيقة.
19:53
21:27
01:20
01:22
02:40
03:20
05:44
05:50
07:53
13:35
08:34
19:12
12:14
22:26
05:07
07:09
07:30
06:10
16:16
17:01
21:04
08:50
16:07
16:21
17:09
18:11
18:56
22:00
22:05
22:11
22:16
00:50
16:28