
أكد الرئيس أحمد الشرع أن ما شهدته سوريا خلال عقود حكم النظام البائد من مظالم طالت جميع مكونات الشعب السوري دون استثناء، مشدداً على أن مرحلة ما بعد التحرير تمثل بداية جديدة قائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون وبناء مؤسسات الدولة، بما يضمن الحقوق الدستورية لجميع السوريين، ويحفظ وحدة الأراضي السورية ويعزز الاستقرار والتنمية.
وقال الرئيس الشرع في مقابلة مع قناة “شمس”: إن المظالم التي وقعت خلال أكثر من 60 عاماً شملت مكونات المجتمع السوري، بما فيها المكون الكردي، مؤكداً أن الثورة السورية المباركة شهدت مشاركة فاعلة من أبناء الشعب السوري على اختلاف انتماءاتهم ومشاركة طيبة من أهلنا الكرد.
مظالم النظام البائد شملت جميع السوريين
وأضاف: إن التحرير شكل أول رد حقيقي على تلك المظالم التي وقعت على الشعب الكردي وبقية مكونات المجتمع السوري، عبر إسقاط منظومة إجرامية مارست سياسات تمييزية وانتقائية، من بينها حرمان شرائح من الأكراد من الجنسية وحقوق المواطنة.
وأوضح الرئيس الشرع أن إسقاط النظام البائد كان مدخلاً أساسياً لاستعادة الحقوق الكردية وغيرها من حقوق السوريين، مشيراً إلى أن بعض المظالم طالت الجميع خلال سنوات الثورة نتيجة ممارسات جهات منفلتة أو غير منضبطة، مؤكداً أنه بذل كل ما في وسعه لحماية المدنيين والمكون الكردي ضمن الإمكانات المتاحة آنذاك، بشهادة أبناء تلك المناطق.
وبيّن الرئيس الشرع أن النظام البائد اعتمد على إذكاء النزاعات الطائفية والعرقية وتعميق الانقسام المجتمعي، ما خلّف رواسب من انعدام الثقة، مؤكداً أن تحرير سوريا فتح نافذة لمرحلة جديدة قوامها المواطنة المتساوية وسيادة القانون، والتوزيع العادل للثروة، وحرية المطالبة بالحقوق عبر الأطر القانونية والمؤسساتية، كما أن بناء هذه المنظومة يتطلب الاستقرار والهدوء.
ما جرى في حلب إنفاذ للقانون وحفاظ على الأمن والاستقرار
وأشار إلى أن الدولة السورية تعاملت خلال عمليات التحرير بروح المسؤولية، وراعت البعد الإنساني رغم الطابع العسكري للمعارك، مبيناً أن ما جرى في مدينة حلب، ولا سيما في حي الشيخ مقصود، جاء في سياق الحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية شريان الاقتصاد السوري، وإنفاذ للقانون بعد تكرار الاعتداءات على الأحياء السكنية وتهديد الأمن والاستقرار، وأكد أن العملية كانت ناجحة ونُفذت بأقل كلفة ممكنة مع تأمين ممرات آمنة للمدنيين.
وقال الرئيس الشرع: في أول لقاء بعد شهر ونصف تقريباً من وصولنا إلى دمشق أو أقل من ذلك التقيت مع مظلوم عبدي وقلت له: سيد مظلوم إذا كنت تقاتل لأجل حقوق المكون الكردي فأنت لا تحتاج أن تصرف قطرة دم واحدة، لأن حقوق المكون الكردي ستكون محفوظة بالدستور، مشدداً على أن المكون الكردي شارك في الثورة السورية المباركة وكان جزءاً منها، وبالتالي لا يمكن اختصار أن المكون الكردي يمثله تنظيم قسد، فضلاً عن الخلافات البينية وعدم إجماعهم على نظرية تنظيم قسد.
اتفاق العاشر من آذار يحفظ وحدة البلاد والحقوق الدستورية
وأوضح الرئيس الشرع أن الدولة دخلت في تفاهمات مع تنظيم قسد انطلاقاً من مبدأ الحوار وتجنب إراقة الدماء، مشدداً على أن اتفاق العاشر من آذار نص بوضوح على صون الحقوق الدستورية للمكون الكردي، واحترام خصوصيته الثقافية، وبسط سيادة الدولة على كامل الجغرافيا السورية، وقطع الارتباطات الخارجية التي لا تخدم مصلحة سوريا، مشيراً إلى أن الاتفاق حظي بموافقات إقليمية ودولية واسعة.
ولفت إلى أن الاتفاق شكّل انفراجة غير مسبوقة في ملف شمال شرق سوريا، إلا أن تنفيذه العملي لم يشهد تقدماً ملموساً، مؤكداً أن حماية المكون الكردي لا تكون عبر تنظيمات مسلحة عابرة للحدود، بل من خلال الاندماج الكامل في الدولة السورية الجديدة، والمشاركة في مؤسساتها السياسية والعسكرية، وشدد على أن الحقوق مكفولة بالدستور ولا تحتاج إلى إراقة دماء، وأن الكفاءة هي معيار المشاركة لا المحاصصة.
وأشار الرئيس الشرع إلى أن الدولة السورية ملتزمة باتفاق العاشر من آذار، وتدعو إلى تنفيذه بما يخدم مصلحة السوريين جميعاً، مؤكداً أن الخيارات مفتوحة أمام تنظيم قسد للاندماج والمشاركة في بناء الدولة، وأن وحدة سوريا وسيادة القانون تمثلان الأساس لاستقرارها واستقرار المنطقة بأسرها.
قسد لم تنفذ الاتفاق العاشر من آذار
وأوضح الرئيس الشرع أن الاتفاق مع تنظيم قسد نص على انسحاب القوى العسكرية من حي الشيخ مقصود، مع الإبقاء على عدد محدود من العناصر الأمنية المنتسبين إلى وزارة الداخلية ومن أبناء الحي، لإدارة شؤونه الأمنية بالتنسيق مع مؤسسات الدولة، مؤكداً أن الانسحاب لم يتم وفق ما جرى الاتفاق عليه، إضافة إلى خروقات متكررة تمثلت بعودة المناوشات والقصف على أحياء سكنية مجاورة، ما أثر سلباً على حالة الاستقرار في حلب.
وبيّن الرئيس الشرع أن الدولة تعاملت مع الملف باعتباره جزءاً من الحل الشامل المتعلق بتنظيم قسد في شمال شرق سوريا، لافتاً إلى أن تعدد مراكز القرار داخل التنظيم وارتباطه بجهات خارج الحدود حال دون تنفيذ الاتفاقات الموقعة، حيث يطغى الطابع العسكري والأمني على قراراته.
الدولة لم تغلق باب المشاركة في بناء الدولة أمام أحد
وشدد الرئيس الشرع على أن حماية المكون الكردي لا تكون عبر تنظيمات مسلحة عابرة للحدود، أو عبر عسكرة الأحياء السكنية وحفر الأنفاق داخلها، بل من خلال الاندماج الكامل في الدولة السورية الجديدة، والمشاركة في مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية، مؤكداً أن الدولة السورية تشكل الإطار الجامع والضامن الحقيقي لحقوق جميع مواطنيها.
وأشار إلى أن المكون الكردي مندمج تاريخياً في المجتمع السوري، ويشارك في الحياة السياسية والتعليمية والإدارية، لافتاً إلى وجود تمثيل كردي في الحكومة السورية، وعرض المشاركة في البرلمان والمؤسسات السيادية، وأكد أن الدولة لم تغلق باب المشاركة أمام أحد، بل إن الغياب كان نتيجة قرارات اتخذها تنظيم قسد بإرادته.
وأكد الرئيس الشرع أن العملية في حي الشيخ مقصود نُفذت بعد انسحاب أكثر من 90 بالمئة من المدنيين، وتأمين ممرات آمنة وفق القوانين الدولية وبأقل كلفة ممكنة، مبيناً أن بعض المجموعات المسلحة منعت المدنيين من الخروج، واستخدمت منشآت مدنية، بما فيها مشافٍ لأغراض عسكرية، رغم الوساطات الدولية التي قبلت بها الدولة السورية.
وأوضح أن الدولة تعاملت مع الملف بمنتهى المسؤولية، وحرصت على عدم تعريض حياة المدنيين للخطر، مؤكداً أن ما جرى كان إجراءً ضرورياً لحماية مدينة حلب وسكانها، ومنع استمرار القصف والاعتداءات التي طالت الأحياء المجاورة.
وفيما يتعلق بشمال شرق سوريا، بين الرئيس الشرع أن هذه المنطقة تضم معظم الثروات الوطنية من نفط وغاز وزراعة ومياه وطاقة، وأن استمرار سيطرة تنظيم قسد عليها حرم الدولة السورية من مواردها، وألحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الوطني، وأعاق جهود إعادة الإعمار، رغم الحاجة الماسة لهذه الموارد في تحسين معيشة المواطنين.
الدولة السورية ماضية في بناء دولة قوية عادلة
وشدد على أن الدولة السورية لا تهدد أحداً، بل تطرح الوقائع وتنصح بما يحقق المصلحة العامة، كما أن بقاء قوى مسلحة خارج سلطة الدولة يهدد الاستقرار الوطني والإقليمي، وينعكس سلباً على دول الجوار، مؤكداً أن التجربة العراقية لا يمكن أن تقاس على الواقع السوري نظراً لوجود اختلاف كبير في الجغرافيا والوضع السياسي والحالة التاريخية.
وختم الرئيس الشرع بالتأكيد أن الدولة السورية ماضية في حماية المدنيين، ومحاسبة أي تجاوزات وفق القانون، داعياً إلى تغليب العقل والحكمة، وإنهاء مظاهر السلاح المنفلت، والعمل المشترك لبناء دولة قوية عادلة تضمن الحقوق وتصون كرامة جميع أبنائها، وتفتح صفحة جديدة من السلام والتنمية لكل السوريين بعد سنوات طويلة من المعاناة.