
حين يُستدعى الحديث عن مصير الدولة السورية، غالباً ما يُختزل النقاش في لحظة الانهيار، وما خلّفه سقوط نظام الأسد من زلازلَ سياسية.
غير أنّ هذا الاختزال، رغم شيوعه، يُخفي ظاهرةً أعمقَ وأكثرَ خطورةً: "لعنة التفسّخ". فبينما يملك الانهيار ملامحَ واضحةً يمكن رصدها وتوثيقها، يمضي التفسّخ في الخفاء، إنّه نوعٌ من "الموت الحيوي": جسدٌ ما زال واقفاً، لكنّ الروح التي كانت تمنحه القوة والاتجاه قد فُرّغت تماماً.
وهنا تحديداً تكمن خطورته؛ فالموت، في هذه الحالة، لا يكون حدثاً مرئياً، بل تحوّلاً بطيئاً لا يُرى إلا حين يقع بالفعل.
في هذا السياق، لم تكن سورية دولةً عميقةً بالمعنى المؤسّسي الذي يُدار من خلف واجهة سياسية مستقرّة، بل هي أقرب إلى مسار تاريخي متقطّع أعاد تشكيل مفهوم الدولة نفسها أكثر من مرّة، حتّى باتت بنيتها أقرب إلى طبقات متراكمة من السلطة، لا إلى نظام واحد متماسك.
ففي المرحلة التي ارتبطت بنظام عائلة الأسد، تشكّلت الدولة حول جهاز أمني كثيف، جعل من الاستخبارات بنيةً تنظيمية تحكم العلاقة بين المجتمع والسلطة.
كانت الدولة تعمل بمنطق السيطرة العمودية: مركز يقرّر، وأجهزة تنفّذ، ومجتمع يُدار عبر الرقابة والتقييد، لا المشاركة.
هذا النمط، ورغم قسوته، أنتج نوعاً من التماسك الشكلي؛ بدأ يتصدّع مع انفجار الصراع السوري، حين فقدَ المركز قدرته على الاحتكار الكامل للعنف، وتفتّحت مساحات واسعة لفاعلين محلّيين وإقليميين ودوليين.
ومع تعدّد مراكز القوة، لم تعد الدولة كياناً واحداً، بل تحوّلت إلى شبكةِ سلطات متوازية، لكلّ منها أدواتها ومنطقها ومصالحها.
واليوم، لم يعد ممكناً الحديث عن دولة مركزية بالمعنى التقليدي، بل عن بنية سياسية مجزّأة تعمل تحت سقف جغرافي واحد، يتحوّل فيها العنف من حالة استثنائية إلى نمط مستدام، وهذا أوضح مؤشّرات التفسّخ: فقدان الدولة قدرتها على تنظيم العنف، لا على احتكاره فقط.
من جهة أخرى، يقدّم الفيلسوف البريطاني توماس هوبز تصوّراً موازياً في كتابه "الليفياثان"، فيرى أنّ الدولة نشأت أصلاً لتجنّب "حرب الجميع ضدّ الجميع".
لكنّ هذه الرؤية تحمل في داخلها بذور الانهيار: فإذا عجزت الدولة عن توفير الأمن، فإنّها تفقد مبرّر وجودها، ويعود المجتمع إلى حالة الفوضى الأولى.
هنا، لا يعود التفسّخ احتمالاً، بل نتيجة منطقية لانهيار العقد الاجتماعي. غير أنّ هذا التحليل يظلّ ناقصاً من دون التوقّف عند الغِنى الثقافي والهُويّاتي للشعب السوري؛ إذ يتحوّل هذا التنوع، في غياب إطار جامع، إلى بؤرة توتّر، ولا سيّما في ظلّ تموضع سورية عند تقاطعات استراتيجية حسّاسة جعلتها عرضةً لضغوط خارجية أسهمت في تضخيم تناقضاتها الداخلية.
فعلياً، تبدو الساحة السورية اليوم في مرحلة حراك سياسي لافت: تحرّكات دبلوماسية، مبادرات لإعادة اللاجئين، وتصريحات اقتصادية عن مشاريع مقبلة، هذه التحرّكات في ظاهرها تعكس اهتماماً دولياً بالملفّ السوري، لكنّها في العمق تكشف هشاشة المركز.
فحين تتحوّل البلاد إلى ساحة تقاطع مصالح، من دون أن تكون لها قدرة فعلية على إدارة هذه المصالح، فإنّها تفقد دورها فاعلاً، وتتحوّل إلى موضوع للتجاذب. الدولة هنا لا تقود، بل تُقاد.
دولة لم تنهَر بالكامل، لكنّها غير قادرة على فرض سيادتها وضبط مسارات الصراع من حولها
على الأرض، تتّضح الصورة أكثر. التوتّرات على الحدود السورية – اللبنانية ليست حوادث أمنية عابرة، بل مؤشّرات على حالة أعقد بنيةً: دولة لم تنهَر بالكامل، لكنّها غير قادرة على فرض سيادتها وضبط مسارات الصراع من حولها.
وفي موازاة ذلك، يشتعل الشارع السوري غضباً: حشود تهتف لفلسطين عقب قرارات إسرائيلية مرتبطة بالأسرى الفلسطينيين.
هذا المشهد لا يُقرأ عند سطحه، إذ يبدو الشارع وكأنّه لم يعد يتفاعل مع الأحداث بقدر ما ينفعل بها، كاشفاً بنيةً فقدت جزءاً كبيراً من تماسكها الداخلي، لتُنتج حالةً من الاضطراب المركّب يعكس أكثر ممّا يُعلِن.
في ضوء ذلك، تتخذ بعض الحوادث الرمزية، مثل الاعتداء على سفارة الإمارات، دلالات خطيرة. إذ يرى محلّلون أنّها تعكس هشاشة إدارة الشارع السياسي، رغم تأكيد بيانات رسمية سورية أنّ ما جرى يمثّل استهدافاً غير مقبول للبعثات الدبلوماسية.
بالتساوق مع ما تقدّم، لا يعني بالضرورة أنّ الاحتجاجات الشعبية "مُفبركة"، غير أنّ السلطة قد تتعامل معها بوصفها فرصةً قابلةً للاستثمار السياسي أكثر من أنّها تهديد مباشر.
ففي لحظة مفصلية تعاني فيها البلاد ضغطاً داخلياً واقتصادياً وخدمياً وأمنياً، يصبح الخارج مساحةً جاهزةً لإعادة ترتيب الخطاب العام، ويغدو "العدو المُفيد" أداةً فعّالةً لإزاحة الانتباه عن الداخل المُثقل بالأزمات.
ضمن هذه المقاربة، تكتسب بعض التحذيرات من انفلات الشارع في "سورية المعتلّة" معنىً إضافياً، فمثل هذه التحرّكات "العفوية" قد تنزلق إلى تصعيد منفلت يمسّ رموزاً دبلوماسية وسياسية لدول مرتبطة بسياق الصراع.
غير أنّ هذه الموجة تؤدّي في الوقت ذاته وظيفةً أخرى لا تقلّ أهميةً: إعادة توجيه البوصلة العامّة، فتتراجع أسئلة الفقر والانهيار الخدمي لصالح نقاشٍ محموم حول الخارج: المقاومة، والردود، وحدود التصعيد.
لا يحدُث هذا التحوّل في مسار الانتباه مصادفةً، بل يتقاطع مع ديناميات مألوفة في حالات التفسّخ، إذ تُستدعى القضايا الكُبرى لتخفيف الضغط عن البنى الداخلية المتآكلة.
وفي هذا التداخل تحديداً، تتضح الصورة الأوسع: دولة تستدعي الشارع لتؤكّد حضورها في التاريخ، بينما تكشف في العمق أنها ما تزال تبحث عن موقعها داخله.
يبرز بيان أهالي دمشق المنتقد سياسات المنظومة الحاكمة صوتاً كاشفاً لاتساع الشقّ بين المجتمع والسلطة
بالتوازي، تتكثّف الارتدادات المضادّة، ويبرز بيان أهالي دمشق المنتقد سياسات المنظومة الحاكمة، صوتاً كاشفاً لاتساع الشقّ بين المجتمع والسلطة.
وفي الجهة المقابلة، يتعرّى الاقتصاد: وعودٌ استثمارية بلا جذور، وانتقادات يطلقها رجال أعمال، تعكس غياب التخطيط واستبداله بخطابٍ يراكم الشعارات ولا يصنع واقعاً.
كما تغدو خصخصة الدولة التعبير الأشدّ حدّةً عن التفسّخ: انزلاق التعليم والصحّة من حيّز الحقّ العام إلى سوق السلعة.
يأتي هذا كله بالتزامن مع طوفان القرارات والشعارات الهادر قبل إعلان حكومةٍ جديدة، وُصفت بأنها تشاركية وموسّعة، في سياقٍ يبدو أنّه موجّه جزئياً نحو الخارج، الذي يراقب مسار السلطة، ومعها شروط الاستقرار وإعادة التموضع.
هذا النمط ليس جديداً في التجارب الانتقالية، لكنّه في الحالة السورية يأخذ بعداً أكثر تعقيداً، لأنّه يحدث داخل بنية دولة متصدّعة أصلاً، تصبح القرارات فيها أكثر ارتباطاً باللحظة السياسية من ارتباطها برؤية استراتيجية، وتتحوّل الشعارات إلى أداة تفاوض خارجي أكثر منها تعبيراً عن مشروع داخلي.
وهنا يظهر، مجدّداً، أحدُ أهمّ مظاهر التفسّخ: انفصال مستوى القول السياسي عن مستوى الفعل المؤسَّسي في دولة تعمل بمنطق "التكيّف المستمرّ" بدل "التخطيط المستقرّ".
هذه المفارقة، بين خطاب الطمأنينة وممارسة الارتباك، تُنتج حالةَ التباسٍ دائم يتأرجح بين حربٍ معلّقة، وسلمٍ وهمي.
نافل القول، استمرار هذا النمط من التفسّخ يتجه نحو فراغٍ يتّسع بصمت، ليبتلع إمكانات الخلاص واحدة تلو الأخرى.
ومع الوقت، يغدو كلّ حدث، مهما بدا هامشياً، علامة إضافية على أنّ ما يجري يتجاوز حدود الهزّة السياسية الطارئة، ليطاول المعنى نفسه: معنى الدولة، ووظيفتها، وحدود حضورها.
وبين الانهيار المؤجّل، والموت المتسلّل بلا إعلان، تقف سورية اليوم مثالاً صاخباً على هذا الفارق: دولةً لم تختفِ، لكنّها لم تعد حيّةً كما ينبغي.