الدور الوظيفي للسلطة السورية في معادلات الصراع الجديدة بالشرق الأوسط

الأربعاء, 11 آذار 2026 الساعة 15:49 | مواقف واراء, زوايا

الدور الوظيفي للسلطة السورية في معادلات الصراع الجديدة بالشرق الأوسط

يحيى العريضيليس عسيراً على المراقب أن يدرك أن تحويل شخص كان مصنفاً على قوائم الإرهاب الدولي كـ (الجولاني) أحمد الشرع، إلى واجهة سياسية لا يعدو كونه عملية إعادة تدوير لجهادي خرج من كهوف التطرف، ليُعاد تقديمه في هيئة سلطة. 

فالرجل، مهما تبدلت أقنعته وتغيّرت خطاباته، يظل امتداداً لمنظومة القتل الجهادية العابرة للحدود؛ ولم يبلغ موقعه الراهن إلا عبر تقاطع مصالح إقليمية ودولية معقدة، شارك فيها لاعبون كُثر: من الولايات المتحدة إلى روسيا وإسرائيل وتركيا، مروراً ببعض العواصم العربية، في سياق محاولة إنتاج أداة سياسية–أمنية قادرة على أداء وظائف محددة ضمن مرحلة إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط.

ما ستكشفه المرحلة المقبلة لن يكون مجرد اختبار لشخص أو لتنظيم، بل اختبار لوظيفة سياسية جرى إعدادها بعناية.

فالقضية لا تتصل بإدارة سلطة محلية أو بمحاولة إنتاج بديل لنظام حكم فحسب، بل بإدارة الفوضى ذاتها وضبط إيقاعها، بحيث تتحول الجغرافيا السورية إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات وإعادة صياغة ترتيبات أمنية جديدة، لا سيما على حدود إسرائيل وفي محيطها الإقليمي.

أما “العطر الترامبي” الذي رُشّ على من تفوح منه رائحة الدم ، فلم يكن سوى محاولة تلميع تكتيكية تمنحه قدراً من الشرعية المؤقتة، ما دام يؤدي الدور المطلوب منه.

غير أن مثل هذه الشرعيات لا تعيش طويلاً؛ فهي مشروطة بالكامل بقدرة صاحبها على التنفيذ. فالأدوات التي تُصاغ في غرف المصالح الدولية لا تُقاس قيمتها بما تدّعيه من تمثيل سياسي، بل بما تستطيع إنجازه عملياً على الأرض.

وهنا تبرز المعضلة التي قد يجد الشرع (الجولاني) نفسه في مواجهتها خلال المرحلة المقبلة؛ وهي معضلة وجودية بالمعنى السياسي للكلمة؛ حيث سيجد نفسه بين مطرقة العمالة وسندان الإقالة؛ فإذا اندفع إلى تنفيذ ما قد يُطلب منه من فتح جبهات توتر جديدة على الحدود السورية أو في الساحات المجاورة، سواء باتجاه لبنان أو العراق، فإنه يغامر بإدخال الجغرافيا السورية في دورة جديدة من الخراب والفوضى، بما يحمله ذلك من أثمان باهظة على “نظامه” وعلى البيئة التي تدور في فلكه. 

أما إذا تردد أو حاول المناورة خارج حدود الدور الوظيفي الذي جاء من أجل تنفيذه، فإن الشرعية المؤقتة التي مُنحت له قد تتحول سريعاً إلى عبء ثقيل، وقد يُستبدل العطر الذي رُشّ عليه بمواد قادرة على إنهائه هو ومنظومته في لحظة.

وهكذا يجد نفسه معلقاً بين حدّين لا ثالث لهما: مطرقة التنفيذ الكامل لمهمة قد تشعل جغرافيا بأكملها، وسندان الاستغناء عنه في اللحظة التي يتوقف فيها عن أداء الوظيفة المطلوبة. 

والتاريخ القريب في هذه المنطقة لا يفتقر إلى الأمثلة؛ فقد شهدنا مراراً كيف جرى استخدام شخصيات وتنظيمات كأدوات ظرفية في صراعات أكبر منها بكثير، قبل أن يُطوى وجودها بهدوء أو بعنف، فور انتهاء الحاجة إليها.

غير أن المفارقة الأكثر مرارة في هذا المشهد تتجلى في ذلك الحشد من المصفقين والمروجين الذين يتعاملون مع هذه التحولات وكأنها انتصارات سياسية كبرى. يتجاهل هؤلاء أن السياسة الدولية نادراً ما تُبنى على الولاءات أو الشعارات، بل على حسابات المصالح الباردة التي لا تتردد لحظة في استبدال أدواتها متى انتهت صلاحيتها.

لقد توهم أحمد الشرع  ومن يدور في فلكه أن الانحناء أمام إسرائيل والولايات المتحدة كفيل بمنحهم ضمانة للبقاء، وظنوا أنهم باتوا جزءاً من معادلات القرار. 

غير أن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: فالمعادلات الكبرى تُرسم في أماكن أخرى، وبأدوات أكبر بكثير من طموحاتهم.

والقوة التي قررت تصفية أي تهديد أيديولوجي خارج نطاق سيطرتها قد بدأت بإيران، لكنها لن تنتهي عندها؛ بل ستصل، عاجلاً أم آجلاً، إلى هؤلاء أنفسهم، وإلى الأيديولوجيا التي يحاولون اليوم التنصل منها بخطاب سياسي مزيّف.يحيى العريضي


أخبار ذات صلة


اقرأ المزيد...
أضف تعليق

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا