الصين تطور ساعة نووية قد تعيد تعريف دقة قياس الزمن

السبت, 10 تشرين الأول 2026 الساعة 23:41 | تكنولوجيا, آخر أخبار التكنلوجيا

الصين تطور ساعة نووية قد تعيد تعريف دقة قياس الزمن

على مدى عقود ظلت الساعات الذرية أدق أدوات قياس الزمن التي عرفتها البشرية، والآن، نجح علماء صينون في إثبات كفاءة جيل جديد من الساعات التي تقيس الزمن استنادًا إلى التغيرات التي تحدث داخل أنوية الذرات.

في كل ثانية، يعمل من حولنا نظام فائق الدقة بصمت؛ إذ تتبادل الأقمار الصناعية إشارات تساعد الهواتف الذكية في تحديد مواقعها، وتنسق شبكات الاتصالات تدفق المعلومات عبر مسافات شاسعة، بينما تقيس الأدوات العلمية تغيرات دقيقة للغاية لدرجة أن أدنى خطأ في التوقيت قد يؤثر على نتائجها، وتكمن وراء العديد من هذه التقنيات قدرة جوهرية واحدة: وهي قياس الزمن بدقة استثنائية.

لقد عمل العلماء لعقود على تطوير الساعات الذرية حتى أصبحت من أدق الأدوات التي صنعها الإنسان على الإطلاق. ومع ذلك، لطالما راود الباحثين اعتقاد بأن أداةً أدق لقياس الزمن قد تكون كامنة في حيز أصغر بمليارات المرات من الأجسام التي نألفها في حياتنا اليومية، ألا وهو: نواة الذرة. والآن، قطعت هذه الفكرة خطوة مهمة نحو التحول إلى واقع ملموس.

ساعة تغوص في أعماق الذرة

تعتمد الساعات العادية على رصد أحداث منتظمة ومتكررة؛ فساعة البندول تقيس تأرجحاتها المتكررة، بينما تعتمد ساعة الكوارتز على الاهتزازات المنتظمة لبلورة الكوارتز، وتتبع الساعات الذرية المبدأ الأساسي ذاته، لكنها تستمد مرجعيتها من ميكانيكا الكم.

فداخل الذرة، يمكن للإلكترونات الانتقال بين حالات طاقة محددة، وتحدث هذه الانتقالات بترددات دقيقة للغاية ومحددة بوضوح، ما يتيح للعلماء استخدامها كمراجع موثوقة بشكل استثنائي لقياس الزمن.

أما الساعة النووية، فتأخذ هذه الفكرة خطوة أبعد، فبدلاًمن تتبع التغيرات في الإلكترونات المحيطة بالذرة، تعتمد هذه الساعة على الانتقالات بين حالات الطاقة داخل نواة الذرة نفسها.

وتكتسب هذه الاختلافات أهمية بالغة؛ لأن النواة أصغر بكثير من الذرة، ولأن بعض الانتقالات النووية تكون أقل تأثراً بالاضطرابات المحيطة بها، بما في ذلك المجالات الكهرومغناطيسية الخارجية.

ولهذا السبب، توقع العلماء أن تتمتع الساعات النووية في المستقبل باستقرار ودقة استثنائيين. تمثّل التحدي في العثور على نواة يمكن التحكم في انتقالاتها الطاقية باستخدام الضوء.

تتطلب معظم الانتقالات النووية إشعاعاً بطاقات تفوق بكثير تلك التي توفرها الليزرات الضوئية التقليدية. غير أن نظيراً نادراً، وهو الثوريوم-229، يتميز بانتقال نووي ذي طاقة منخفضة بشكل استثنائي، مما يتيح للعلماء إثارته باستخدام ليزرات فوق بنفسجية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتجعل هذه الخاصية الفريدة من هذا النظير مرشحاً مثالياً لتطوير ساعة نووية.

كيف حوّل العلماء الفكرة إلى واقع ملموس

طوّر فريق بقيادة الأستاذ المشارك "شيقيان دينغ" من جامعة "تسينغهوا"، ليزراً متخصصاً قادراً على إصدار ضوء فوق بنفسجي مستمر بطول موجي يبلغ نحو 148.4 نانومتراً، وقد وجّه الباحثون هذا الضوء نحو بلورة من فلوريد الكالسيوم تحتوي على نوى الثوريوم-229.

ومن خلال الضبط الدقيق لتردد الليزر، تمكنوا من إثارة انتقال نووي محدد واستخدام استجابة النواة كمرجع للقياس.

وكان الإنجاز الجوهري يكمن في جعل الانتقال النووي يتحكم في الليزر نفسه، حيث عمل نظام للتغذية الراجعة على تصحيح تردد الليزر باستمرار، مما حافظ على تزامن التردد مع النوى.

وقد أدى ذلك إلى تحويل عملية التحليل الطيفي النووي "أي رصد الانتقالات الطاقية للنواة" إلى ساعة فعلية تعمل بكفاءة.

كما تغلب الباحثون على تحدٍ مادي كبير؛ إذ يعدّ الثوريوم-229 عنصراً نادراً، لكن الفريق نجح في إنتاج البلورة المطلوبة باستخدام محلول أولي يحتوي على 1.4 ميكروغرام فقط من هذا النظير.

 

لماذا قد تُحدث الساعات الأفضل تغييرًا يتجاوز مجرد ضبط الوقت

تتجاوز القيمة العملية لهذه الدقة الفائقة مجرد معرفة الوقت بدقة، وتُعد أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية مثالاً مألوفاً على ذلك؛ إذ تحسب أجهزة استقبال نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) مواقعها استناداً إلى إشارات تبثها الأقمار الصناعية، وتستخدم زمن انتقال تلك الإشارات لتحديد المسافة، ومن شأن أنظمة التوقيت الأكثر موثوقية أن تساعد في تحسين دقة البنية التحتية للملاحة ومتانتها.

كما تدعم الساعات الدقيقة قطاع الاتصالات، والقياسات العلمية، ومزامنة الشبكات التكنولوجية المعقدة، وقد توفر الساعات النووية في نهاية المطاف ميزة أخرى، وهي تصاميم مدمجة تعتمد على الحالة الصلبة (solid-state)، ونظراً لإمكانية دمج أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل بلورة صغيرة، فقد تصبح الأجهزة المستقبلية أسهل في النشر والتشغيل في البيئات الصعبة مقارنةً بالساعات الضوئية المختبرية الأكثر تطوراً اليوم.

ومع ذلك، تظل هذه المزايا محتملة إلى حد كبير؛ فالساعات النووية التي أُثبتت كفاءتها مؤخراً لا تزال أدوات تجريبية، ولا يتجاوز أداؤها الحالي أداء أفضل الساعات الذرية الضوئية في العالم، ويتعين على الباحثين تحسين استقرار هذه الساعات، والتحكم في التأثيرات البيئية، وجعل أنظمتها أكثر عملية قبل أن تتمكن الساعات النووية من الحلول محل التقنيات الحالية،غير أن التطبيق الأكثر إثارة للاهتمام قد يكمن خارج نطاق التكنولوجيا اليومية.

أداة جديدة لاستكشاف الكون

يدرك علماء الفيزياء أن الكون يحتوي على أشكال من المادة لا تزال غير مفهومة تماماً،ومن أعظم هذه الألغاز "المادة المظلمة"، التي يُستدل على وجودها من تأثيراتها الجاذبية، لكن لم يتم رصدها أو تحديدها بشكل مباشر، وتشير بعض النماذج النظرية إلى أن المادة المظلمة قد تتكون من جسيمات خفيفة للغاية، قد تؤدي تفاعلاتها إلى إحداث تغيرات دورية ضئيلة في الثوابت الفيزيائية الأساسية.

وبعدعقود من البحث عن المواد وأشعة الليزر وتقنيات القياس المناسبة، نجح العلماء أخيرا في جعل النواة الذرية نفسها بمثابة المرجع الزمني للساعة، وتتمثل الخطوة التالية في جعل هذه الساعة دقيقة وموثوقة وعملية بما يكفي لتحقيق إمكاناتها الواعدة.

 


أخبار ذات صلة


اقرأ المزيد...
أضف تعليق

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا