وجبة السحور.. رحلة من عهد رسولنا الكريم إلى يومنا هذا

الإثنين, 9 آذار 2026 الساعة 16:32 | ثقافة وفن, ثقافة

وجبة السحور.. رحلة من عهد رسولنا الكريم إلى يومنا هذا

شهدت وجبة السحور باعتبارها طقساً ثابتاً من طقوس شهر رمضان المبارك، تطوراً كبيراً في مكوناتها وعادات تناولها منذ عهد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا، وفقاً للتطورات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية.

واتسم السحور في زمن نبينا محمد بالبساطة والبركة، وفق ما جاء في “سنن أبي داود”، إذ كان يقوم على تأخير الوجبة إلى ما قبل الفجر بقليل، والاعتماد على ما تيّسر من الطعام، وشكّل حينها التمر والماء واللبن وخبز الشعير أساس السحور، وكان النبي يحثّ على السحور ولو بجرعة ماء، مؤكداً بركته الروحية والبدنية، وقد ورد عنه قوله: “نِعمَ سحور المؤمن التمر”.

السحور في العصر الراشدي

حافظ الخلفاء الراشدون والصحابة رضي الله عنهم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم في توقيت السحور وطبيعته، وفق ما ذكر الإمام مالك بن أنس في كتابه “المدونة الكبرى”، فبقي بسيطاً وخفيفاً يعتمد على التمر والماء واللبن وخبز الشعير وبعض الأطعمة المتوفرة في المدينة، كما أصبح السحور مناسبة اجتماعية داخل البيوت، وأحياناً جماعية في المدينة المنورة، حيث يكثر الذكر والاستغفار.

السحور في العصر الأموي

وشهد العصر الأموي ارتباطاً شديداً بالشعائر وتطوراً في مظاهر السحور، ووفق ما ذكرته تقارير نقلاً عن موسوعة التاريخ الإسلامي لصلاح طهبوب، وكتب الحياة الاجتماعية في العصر الأموي، فقد بقي السحور عادة راسخة في البيوت والمساجد، بوصفه سُنة نبوية، وطقساً اجتماعياً يجمع العائلات.

وفي هذا العصر تطورت مظاهر السحور دون أن يفقد طابعه الديني، فظهرت ممارسات جديدة مثل المنادين لإيقاظ الناس، وشهد الجامع الأموي تجمعات للذكر قبل الفجر، وتنوّعت الأطعمة لتشمل الخبز المصنوع من القمح أو الشعير، والثريد، والتمر ومشتقاته، واللبن والجبن والزبد، والبيض المسلوق، والمرق الخفيف، ومن الحلويات الكنافة، والفواكه الموسمية.

السحور في العصر العباسي

أما في العصر العباسي فبلغت مائدة السحور درجة عالية من الثراء والتنوع، نتيجة اتساع رقعة الدولة وتأثرها بالمطابخ الفارسية والتركية والهندية، حسب ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني في كتابه “الأغاني”، حيث تضمنت وجبة السحور في تلك المرحلة، الهريسة، والسويق، والفريك، وأنواع الخبز، والألبان، إضافة لكميات قليلة من اللحوم.

كما شكلت الفواكه عنصراً أساسياً في السحور وفق ما جاء في كتاب “الطبيخ” لابن سيار، وخاصة التمر، والتي بدأ بها العباسيون سحورهم، والبطيخ والعنب والتمر والتين، بينما كانت تقدم الحلويات أحياناً مثل الفالوذج (وهي حلوى تاريخية فارسية الأصل)، والقطائف الخفيفة والتمر المحشو بالمكسرات، كما اهتم العباسيون بالمشروبات من الماء البارد الممزوج بماء الورد، وشراب السويق، وشراب الخروب، واللبن المخفوق.

السحور بعد العباسيين وفي عصر المماليك

ووفق ما ذكره تقي الدين المقريزي في كتابه (خطط المقريزي)، والرحالة الشهير ابن بطوطة، انتقلت العادات العباسية إلى دمشق والقاهرة، وحافظ المماليك على الطابع التراثي للسحور، وشملت الوجبة الخبز بأنواعه، والألبان، والهريسة، والسويق، والعصيدة، والفول المدمس، والبيض، واللحوم الخفيفة، والفواكه، ومشروبات مثل ماء الورد والخروب والسوبيا، وهي مشروب رمضاني حجازي شهير، كما انتشرت في هذه المرحلة موائد السحور العامة للفقراء والمسافرين.

السحور في العهد العثماني

في العهد العثماني، دخل السحور مرحلة جديدة من التنظيم والانتشار، إذ أصبح طقساً شعبياً، وتأثر بالمطبخ التركي وفق ما نقل عن عدد من الرحالة العرب والأتراك ومنهم “أوليا جلبي”، والذي يعد أهم مرجع عثماني شامل، حيث ضمت مائدة السحور الخبز التركي، والجبن والزيتون، والشوربات الخفيفة، والبيض، والأرز والبرغل، والمعجنات، والفواكه المجففة مثل التمر، والمشمش، والزبيب، وحلويات خفيفة مثل الحلقوم والبقلاوة الخفيفة، ومشروبات الورد والخروب واللبن المخفوق، كما أقام السلاطين والأوقاف في هذه الحقبة موائد سحور عامة للفقراء في المساجد الكبرى مثل الجامع الأموي.

السحور في القرنين العشرين والحادي والعشرين

خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، تنوعت أطعمة السحور في البلاد العربية والإسلامية، بناءً على الموروث الشعبي لكل منطقة، مع تركيزها على الأطعمة التي تمنح الشبع وتكافح العطش، واشتراكها بعنصر التمر اتباعاً للسنة النبوية.

واعتمدت معظم الأسر على الخبز، والفول المدمس، والألبان، والتمر، والبيض، إضافة إلى أطباق محلية مثل السفة والبسيسة في المغرب العربي، والهريس في دول الخليج العربي، وأدى الوعي الصحي إلى تنويع الوجبة، مع استمرار حضور الأطباق التراثية، كما أصبح السحور في بعض المجتمعات مناسبة اجتماعية تمتد ساعات.

من هنا نجد أن وجبة السحور لم تكن مجرد طعام يسبق الصيام، بل طقس روحي واجتماعي وثقافي رافق المسلمين عبر الزمن وواكب ظروف كل عصر وتنوع مطابخه وعاداته، مع الحفاظ على كونه رمزاً لروحانية رمضان، يجمع بين الامتثال للسنة النبوية والعادات العريقة.


اقرأ المزيد...
أضف تعليق

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا