الشرق الأوسط بمواجهة التطرف والانقياد الأعمى!!

الثلاثاء, 25 حزيران 2013 الساعة 19:56 | مواقف واراء, كتبت رئيسة التحرير

الشرق الأوسط بمواجهة التطرف والانقياد الأعمى!!

جهينة نيوز- بقلم فاديا جبريل:

على الدوام كانت منطقة الشرق الأوسط وما زالت هدفاً للقوى الغربية الرأسمالية، لما تتمتّع به من موقع جغرافي وسياسي وحضاري مهمّ، وممرّ حيوي اقتصادي كبير وثروات نفطية ومصادر طاقة هي الأكبر في العالم.

ولقد أعدّت تلك القوى الخطط والاستراتيجيات، وأطلقت النظريات المختلفة للسيطرة على هذه المنطقة والهيمنة على مقدراتها، وتهيئة المناخ الخصب للتحولات القادمة التي رسمتها بدقة وعناية، بدءاً من تعميم ظاهرة العولمة التي سعت وفقاً لرؤية القطب الأوحد إلى اختراق المجتمعات العربية والإسلامية ومحو هوياتها وتقويض كياناتها السياسية، وتكريس الهوية الغربية التي ستفضي إلى نشوء ثقافة أو هوية هلامية ينتفي فيها الانتماء وتضعف معها الممانعة، لتأتي نظرية صراع الحضارات، التي لم يكن من هدف لها إلا توسيع الفجوة بين الشرق والغرب، وخلق بؤر مشتعلة تحوّل الصراعات الآنية على موارد وجغرافيا شعوب العالمين العربي والإسلامي إلى صراعات مزمنة تدمّر الأديان والمجتمعات على المدى البعيد، والتي تمثّلت بنشر ثقافة «التطرف» المرتكز الأساس في الحروب التي بدأت ولم تنتهِ تحت عنوان «الحرب على الإرهاب».

إن منطقة الشرق الأوسط يحكمها مستقبلان بمنظور مارتن أنديك مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، (الأول بسيطرة المتطرفين الذين يرتدون عباءة الإسلام على المنطقة، والثاني مستقبل تحقّق فيه إسرائيل وجيرانها مصالحة تاريخية).

ولأن الانحراف الفكري هو من ينشئ العنف والإرهاب والتطرف، ويؤدي إلى تفتيت المجتمعات، فقد عملت القوى الغربية على تحقيق هذا الانحراف باستهداف الإسلام في عقيدته وجوهره واختراق بنيته الفكرية والثقافية، إذ عملت الاستخبارات البريطانية مبكراً على ذلك وفق استراتيجية «زرع البدع في التعاليم الإسلامية» وخلق مذاهب مارقة تحرف الإسلام عن جوهره، فكان نشوء «المذهب الوهابي» في القرن الثامن عشر في شبه الجزيرة العربية على يد الجاسوس البريطاني «هيمفر» الذي كتب تعاليمه ونصّب محمد بن عبد الوهاب إماماً عليه، ليضمن بذلك اختراقاً جذرياً لمفاهيم الإسلام الصحيح الذي ينبذ العنف والتطرف، ولتحلّ مكانها تعاليم تقوم على التكفير والترهيب في تحقيق الغايات وقتل كل من يخالفهم الرأي وسبي النساء وهدم الأضرحة المقدسة.

لقد شكّل ظهور هذا المذهب المارق أساساً لتحالف محمد بن عبد الوهاب مع آل سعود الذين تمكنوا من تأسيس دولتهم الأولى بالاعتماد على غزوات قطعان ابن عبد الوهاب التي استباحت مناطق شبه الجزيرة العربية وجوارها، وسفكت دماء أهلها وجعلت من المذهب الوهابي التكفيري بديلاً عن المذاهب الإسلامية الخمسة.

وأكملت بريطانيا نهجها في اختراق الإسلام وتشويه صورته عبر تأسيس حركة الإخوان المسلمين في مصر بقيادة حسن البنا عام 1928، كحليف قوي للقوى الغربية الاستعمارية ومنفّذٍ جديّ لسياساتها. فتآمرت حركة الإخوان مع بريطانيا لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، ولاحقاً بتحالفها مع السادات لمحاربة الناصريين، تمكنت من السيطرة على التعليم والثقافة والحياة الدينية، بما مكّنها من نشر الإستراتيجية البريطانية الداعية إلى نشر التطرف الإيديولوجي في عقول أجيال يسهل تجنيدها لاحقاً في عملياتهم الإرهابية. كما تمكنت بريطانيا من خلال حليفها «الإخوان المسلمين» من نشر الوهابية والنفوذ السعودي من شمال إفريقيا غرباً إلى بلاد الشام شرقاً.

ومع الدخول الأمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط كبديل لبريطانيا وفرنسا عبر مشروع «أيزنهاور» الذي أحكم الخناق على المنطقة بالعديد من الاتفاقيات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، استكملت الولايات المتحدة رعاية ما زرعه الحليف البريطاني «التطرف» الذي أثبت جدواه في تسهيل مهمّة تفتيت المنطقة والسيطرة عليها. وقد ذكر الكاتب الأمريكي روبرت دريفوس في كتابه «لعبة الشيطان»: (إن واشنطن دعمت الجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جهراً وسراً، ما تسبّب بميلاد «الإرهاب»، وإن أمريكا تلاعبت بالإسلام كعقيدة، كما تلاعبت بالجماعات الإسلامية التي دعمتها وموّلتها).

ففي النصف الثاني من القرن الماضي استخدمت أمريكا الحركات الإسلامية الأصولية في حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي بذريعة محاربة المد الشيوعي «الملحد»، ومرة أخرى ضد القومية العربية وتغذية التيارات القومية الانفصالية، وتالياً أسّست حركات سلفية جهادية كـ«طالبان والقاعدة» لضرب المصالح الروسية في مناطق آسيا وبحر قزوين.

واليوم تستكمل استخدامها لتلك الجماعات الأصولية في مشروع حربها على المنطقة العربية تحت عنوان «الربيع العربي» الذي يعدّ امتداداً لمشروع «الشرق الأوسط الجديد» الساعي نحو تحقيق هدفين أساسيين هما «السيطرة على مصادر الطاقة، والحفاظ على أمن إسرائيل».

ومع إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن «زمن الحرب قد انتهى» تكون الإستراتيجية الأمريكية قد دخلت المرحلة الأخطر عبر اتباع أسلوب جديد في الصراع أي «الحرب بالوكالة»، وتعتمد على دعم التيارات الأصولية المتشدّدة المصنّعة أمريكياً وبريطانياً للوصول إلى الحكم، مستغلين هوس «المتأسلمين» بالسلطة وحالة الإحباط الشديدة للشعوب العربية بسبب فشل حكوماتها في تحقيق العدالة الاجتماعية وتحصين مجتمعاتها ضد الفقر والجهل ومحاولات الاختراق الفكري لها، إضافة إلى انتشار الفساد وغياب المحاسبة، فكان التطرف الناشئ أصلاً هو العمود الفقري الذي يحمل أخطر المشروعات التقسيمية وبيد المسلمين أنفسهم. وهذا ما عبّر عنه مؤخراً أليكس فيشمان في صحيفة «يديعوت أحرنوت» التي تعدّ صدى لتوجهات المؤسسة العسكرية والأمنية الصهيونية، إذ قال: «دعوا العرب يقتلون بعضهم.. دعوهم يقتلون أنفسهم بهدوء»!!.

إن التاريخ يعيد نفسه، فالولايات المتحدة الأمريكية في مشروعها الحالي اعتمدت بشكل كبير على الملكيات والمشيخات والحركات الإسلامية الأصولية المتشدّدة، وبالتكتيك القديم ذاته الذي استغل الإيديولوجيا الإسلامية المتطرفة لهتك المجتمع العربي والإسلامي، حيث جعلت واشنطن من محمية قطر الراعي الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين وطالبان والقاعدة وآل سعود منبع التطرف الوهابي، ودفعت إلى الواجهة حكاماً «إسلامويين» فنصّبت محمد مرسي الإخواني «ولياً» على مصر والسلفي راشد الغنوشي «حاكماً بأمره» على تونس، ووضعت رقبة الشعب الليبي كلّه تحت رحمة مجرمين وقطاع طرق يدّعون الإسلام، واستأجرت لتكريس ذلك شيوخاً مهمتهم إصدار الفتاوى والهرطقات لبث الفتنة والتفرقة، وإنجاز هدف واحد هو تمهيد الأرض وتهيئة التربة لاستقبال شكل جيوسياسي جديد للمنطقة، يتمكن «التطرف» فيه من حكم المجتمعات والتحكم بمصيرها حتى لو كان تأجيج الفتن الطائفية هو الثمن الذي ستدفعه.

نعم برعاية أمريكية وبجهد من استخباراتها وأدواتها الرخيصة في المنطقة، بدأ «التطرف» يثمر فتناً طائفية ومذهبية عابرة للحدود تهدّد المنطقة بحروب عبثية لا طائل منها، وتبعدها عن هدفها الأساسي في التصدي للقوى الغربية العدوانية. ومن هنا كان السؤال الكبير الذي يطرح نفسه: وماذا بعد أن غزا عالمنا وأجواءنا التطرف؟!. الذي قال عنه السيد الرئيس بشار الأسد: (إن التحدي الأهم والأكبر الذي تواجهه المنطقة يتمثّل بالتطرف الذي يحدث انزياحاً في مجتمعاتنا ويبعدها عن الاعتدال).

إن التحدي الذي أشار إليه السيد الرئيس يستدعي باعتقادنا من رجال الدين المعتدلين والشخصيات العلمية والفكرية والنخب المثقفة التنويرية تنكّبَ مسؤولية تاريخية تفرضها خطورة المرحلة، وتقتضي نشر الثقافة الدينية والطروحات الفكرية المتزنة والمعتدلة، واستئصال الأفكار الظلامية الدخيلة على العقيدة الإسلامية ومحاربتها بكل ما نملك من إمكانات.

كما لابد من التأكيد أن على الحكومات التي قصّرت طويلاً وتغافلت عن تحصين المجتمع العربي ضد التيارات الوافدة التي تقود إلى الانحراف الفكري والتطرف والتكفير، ينبغي عليها اليوم استئصال العناصر المتطرفة عسكرياً وأمنياً وسياسياً، والاهتمام جديّاً بنظم التعليم التي يجب أن تعتمد على العقل لا النقل، والنقد والتحليل والتمحيص لا التبعية والانقياد الأعمى، فضلاً عن تجنيد الإعلام بكل وسائله لنشر ثقافة الوسطية والاعتدال والتركيز على الأهداف الكبرى التي يجب أن يضطلع بها المواطن والسلطة معاً.. بعد أن استطاعت القوى والأنظمة العميلة عبر الإعلام التحريضي والمزيف نشر ثقافة التطرف على نحو واسع وواسع جداً.

نجزم أن الشرق الأوسط برمته اليوم أمام مفترق طرق خطير جداً وبمواجهة تطرف وانقياد أعمى، سيقضي على جميع منظوماتنا الفكرية والدينية والأخلاقية ما لم ننهض معاً لمحاربته وتحديه.. فهل سننجح في هذا التحدي؟؟.

عن صحيفة تشرين


اقرأ المزيد...
أضف تعليق



ولأخذ العلم هذه المشاركات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع
  1. 1 نصر سوريا
    25/6/2013
    20:56
    بيت الطاعة
    ياليتهم يطيعون الله ويخالفون الإجرام المحرم ويطيعون ضمائرهم أولا !!الحقيقة أن العرب يطيعون أسيادهم الصهاينة ويحققون لهم أمنياتهم ويقتلون أنفسهم ويقتلون بعضهم ولكن بشراسة لابهدوء كما أوصاهم المعلم الأكبر ..الله وأكبر
  2. 2 أبن البلد
    25/6/2013
    23:20
    سيعودون من حيث أتوا ....
    تحية إلى السيدة جبريل التي سـلطت الضوء على حقيقة تاريخية تكشـف فيه عن زرع الغرب لبذور الحركات الأسلامية المتطرفة في الدول المحورية في الوطن العربي وأخطرها الوهابية والأخوان المسلمين الذين فروا في أواخر الخمسينيات من الحركات القومية والعروبية في بلدانهم إلى دول غربية حضنتهم وغذتّهم بالتطرف الديني ورعتهم وحين جاء وقت حصادها أعادتهم إلى دولهم ليعبثوا فيها شـراً تحت غطاء الربيع العربي ...نعم الدول الغربية التي تفتخر بإيجابيات فصل الدين عن السياسة في دولها تفرض علينا العكس، أنظمة دينية متطرفة تقوم بتدمير القيم الأنسانية و تدمير الحضارة في أوطاننا وبشـكل أعمى خدمة لتلك الدول والطامة الكبرى أنهم يفعلون ذلك ملىء إرادتهم ويحولون مدننا إلى رماد ولن يطول بهم الزمن أن يعيدوا الكرّة ويرجعون من حيث أتوا
  3. 3 نصر سوريا
    26/6/2013
    00:42
    سننجح بالتأكيد الشباب السوري واعي
    نعم سنخسر شبابنا إن لم نلحق وبسرعة احتوائهم ومساعدتهم ومشاركتهم بالنشاطات العامة والخاصة وانشاء النوادي الثقافية وتشجيع الرياضة وكل مايلهيهم بالأشياء المفيدة لهم وللوطن الغالي ويبعدهم عن الأشرار منتهزي الفرص وبالتأكيد سينجحون وسيتذكرون المحنة الكبرى التي ستكون حافزا قويا لمواجهة المصاعب ولمحاربة الإرهاب والفساد وسيكونوا الأفضل وهم الأفضل
  4. 4 سنا
    26/6/2013
    02:16
    نعم أيتها الكاتبة
    كل ما قلتيه صحيح مئة بالمئة لقد اخترقوا كل شيء عقولنا وفكرنا تاريخنا وأسلوبنا وحتى ديننا الذي شوهوه بشكل فظيع وهذا التشويه جرى منذ زمن بعيد وقبل عبد الوهاب هذا!وأتمنى من الجميع قراءة سلسلة :أنت ماسوني دون أن تدري بأجزائها الأربعة في أوقات الشام لأنها قيمة جدا

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا